بيان اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان : من سوء التقدير إلى فتح الباب أمام التصعيد الخارجي بقلم : فضيلي هيداله

#وصلنا
ما حدث في أروقة اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لم يكن حادثًا معزولًا ولا مفاجأة كاملة للمتابعين بل كانت مقدماته واضحة منذ اللحظة التي اختارت فيها اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إصدار خطاب مرتبك وغير محسوب التداعيات خطاب لم يراعِ حساسية المرحلة ولا طبيعة المعركة الحقوقية والإعلامية المفتوحة ضد البلاد.
فاللجنة الوطنية بدل أن تتحرك بعقلية المؤسسة السيادية القادرة على إدارة الملفات بحكمة وتوازن، قدمت مادة خام استغلها المؤتمِرون لاحقًا في صياغة خطاب تصعيدي ضد موريتانيا. وهنا تكمن الخطورة لأن المؤسسات الحقوقية الوطنية حين تخطئ في التقدير فإن ثمن الخطأ لا تدفعه اللجنة وحدها، بل تدفعه صورة الدولة بأكملها.
النقد هنا ليس رفضًا للعمل الحقوقي ولا دعوة للصمت أو التبرير، بل العكس تمامًا؛ فالمطلوب هو لجنة وطنية قوية مستقلة، ذكية في خطابها، تعرف كيف تطرح القضايا دون أن تتحول بياناتها إلى ذخيرة جاهزة تستعملها الجهات الخارجية في حملات الإدانة والتشويه.
لقد بدا واضحًا أن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان دخلت هذا الملف دون رؤية استراتيجية حقيقية، فلم تنجح في حماية التوازن، ولم تنجح في احتواء التصعيد ولم تنجح حتى في تقديم رواية حقوقية متماسكة تدافع بها عن موقف البلد داخل الملتقى والأسوأ من ذلك أن حضورها في المؤتمر لم يغيّر شيئًا من مسار الهجوم وكأن المؤسسة حضرت لتتابع ما يجري لا لتؤثر فيه.
أي مؤسسة حقوقية محترمة مطالبة بأن تفرق بين معالجة الاختلالات الداخلية وبين فتح الأبواب أمام التدويل والاستغلال السياسي الخارجي فالعمل الحقوقي الرصين لا يُقاس بحدة البيانات ولا بكثرة التصريحات وإنما بمدى القدرة على تحقيق الإصلاح دون الإضرار بصورة الوطن أو إضعاف موقفه أمام الهيئات الدولية.
واليوم أكثر من أي وقت مضى تحتاج اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إلى مراجعة عميقة لأدائها وخطابها وآليات اشتغالها فموريتانيا لا تحتاج لجنة تُنتج الأزمات ثم تعجز عن احتوائها بل تحتاج مؤسسة تمتلك الكفاءة القانونية والخبرة السياسية والقدرة الإعلامية للدفاع عن الحقوق وعن صورة البلد في آن واحد.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن الارتجال في الملفات الحساسة لم يعد مقبولًا، وأن العمل الحقوقي إذا غابت عنه الحكمة والاحترافية قد يتحول من أداة حماية إلى سبب مباشر في صناعة الإدانة والتصعيد.
بقلم فضيلي ولد هيدالة



