مونديال 2026م والهجرة .. مابين التأشيرة والبطاقة الحمراء

مونديال 2026م والهجرة : مابين التأشيرة والبطاقة الحمراء

 

صدق او لا، يوجد أشخاص لا يرغبون منك حقا أن تحضر كأس العالم.

يبدو ومن البداهة أن أهم شيء يتبادر إلى الذهن حين الحديث عن حلم حضور المونديال هو التذكرة، وكيفية الحصول عليها وانتزاعها من بين كم لا حصر له من الأشخاص الراغبين بها. لكن، في الحقيقة، يمكن أن لا تسعفك تذكرة المونديال في حضور كأس العالم؛ فدول العالم تعتبر المرور إليها وعبرها قضية أمن قومي شديدة الحساسية ، هي نفسها تلك الدول التي تحتضن هذا المحفل الكروي.

تنظم الدول، بغض النظر عن حدثنا الكروي، إجراءات الدخول والخروج بناء على دساتيرها وقوانينها الوطنية واتفاقياتها الإقليمية والعالمية، ولها نصيب من الحق في منع دخول أشخاص بعينهم، إذا كانوا يشكلون خطرا على أمنها السيادي أو يخلون بلوائح الدخول والإقامة التي وضعتها ( مهاجرون غير نظاميين ).

وهنا يأتي دور التأشيرة كركن اساسي في هذه المصفوفة ؛ حيث تسمح التأشيرة للشخص بطلب الإذن للعمل / الدراسة والإقامة في بلد ما حسب نوعها وطول مدتها لفترة محددة معلومة .

يتطلب الحصول عليها المرور بعدة مراحل فطالب التأشيرة في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا :

• يقدم الطلب إلكترونيا ( بملء استمارة ) – يدفع الرسوم وحجز الموعد- ويجري مقابلة في القنصلية . بعد ذلك يتم البت في طلبه في آخر الأمر .

لكن الرحلة لا تنتهي هنا، فالتأشيرة ليست نهاية المطاف، فهي تسمح بطلب الدخول وليس الدخول فعليا ، إذ أن السماح بالدخول مرهون بقرار سلطات بلد المقصد.

يستغرق الحصول على التأشيرة وقتا طويلا يمتد من اسابيع لأشهر حسب ضغط العمل، ولذا توصي منظمة (الفيفا ) بتقديم طلب للحصول على التأشيرة قبل الحدث بعدة أشهر، إلى جانب توصيات اخرى تتعلق بوثائق السفر للإستعداد قبل الإنطلاقة.

كما قدمت الفيفا ولأول مرة، برنامج ” الفيفا باس ” والذي يسمح لطالبي التأشيرة في الولايات المتحدة الأمريكية من مَن يحملون تذكرة المونديال بتسريع إجراءاتهم وتقليص وقت المقابلات …إلخ.

 

لكن كل هذه الإجراءات المساعدة لا تعدو كونها تلعب على السطح، إذ هي مقدمة من طرف الإتحاد الدولي لكرة القدم ( الفيفا )، وليس منظمة سياسية عالمية.

 

فالفيفا تقدم تذكرة لحضور المونديال لكنها لا تعطي تذكرة لدخول البلد. وهذ ينطبق كذلك على طواقم وكوادر الفيفيا نفسها.

وهنا نجد وللمفارقة، أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بمنع الحكم الصومالي عمر آرتان من الدخول للبلاد، حيث اوقفته إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية بحجة ما زعمت انه ” مخاوف تتعلق بالتدقيق الأمني ” وأخضعته لاستجواب دام إحدى عشرة ساعة ثم أعادته برحلة جوية عائدة إلى إسنطبول من حيث قدم.

لاشك أنها صدمة كبيرة تعرض لها الحكم الصومالي.

تخيل فقط أنه كان من المقرر لك، كأفضل حكم في افريقيا 2025م، أن يكون لك شرف التحكيم في المباراة الإفتتاحية في كأس العالم، لتتفاجأ أنك عائد إلى منزلك خال الوفاض، وقد صودرت حتى أجهزتك الإلكترونية.

” أنا مجرد حكم يحاول أن يعيش حلمه، وهو أكبر حلم في حياتي، وهو المشاركة في كأس العالم” عمر آرتان لنيورك تايمز .

” اشعر بخيبة امل كبيرة ”

حسنا، ماذا كان رد الفيفا على هذه المأساة ؟

قامت بإزالة اسم عمر آرتان من قائمة المسؤولين التابعين لها ….

وأكدت في بيان أنها ” لا تتدخل في اجراءات الهجرة في البلدان المستضيفة للكأس، وكذلك الأمر حول البت في طلبات التأشيرة، وبأن القرار يرجع للحكومة المضيفة في نهاية المطاف “.

وعلى العموم، فإن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية تقول ” أن جميع الأشخاص الراغبين في دخول الولايات المتحدة، بما في ذلك الرياضيين و المدربين والموظفين يخضعون لتفتيش وتدقيق من قبل الإدارة”.

 

1-0

لصالح السيادة الحدودية على حساب تذكرة المونديال.

 

قد يبدو الأمر من هذه الزاوية وكأن الإشكالية هنا تدور في قالب أمني لكن الأمر ليس كذلك بالمطلق; فحتى الخلافات الدولية قد تمنع فرحة المونديال .

وفي ظل النزاع السياسي الحاصل بين دولة إيران والولايات المتحدة الأمريكية والذي بطريقة ما انتهى بتوقيع اتفاقية سلام قبل 24 ساعة من بداية المونديال، كان من المقرر أن تكون هذه المرة الأولى في التاريخ التي تستقبل فيها دولة مضيفة فريقا من دولة كانت في حالة حرب معها، وقد تم ذلك…..

لكن جزءا من الطاقم المرافق للمنتخب الإيراني، رُفضت طلبات التأشيرات الخاصة بهم هذا إلى جانب كون اللاعبين احتاجوا لتدبيرات خاصة لدخولهم وخروجهم من البلد .

فأثناء كتابة هذا المقال، يقيم الطاقم المرافق واللاعبون في تيخونا في المكسيك بعد أن أصبحوا ينتقلون للعب مبارياتهم ثم العودة.

في حالة المنتخب الإيراني، يجري تطبيق ما يسمى بالتقييدات الإجرائية والتأشيرية؛ فهم لم يمنعو بتاتا من الدخول، وانما واجهوا تقييدات خلال عملية دخولهم والتي ترجع بالأساس لخلفية سياسية متعلقة بظروف خاصة .

2-0

لصالح السيادة الحدودية على حساب تذكرة المونديال.

 

لنأخذ مستقطعا من هذه المباراة قليلا لمراجعة الإشكالية لدينا : هل تذكرة المونديال عالمية بحق ام أنها مجرد ورقة كاذبة ؟

لا يمكننا صياغة الأمر بهذه الطريقة فحسب، فالفيفا فعلا تنظم حركة هجرية عالمية إذ تلقت بهذه المناسبة قرابة 150 مليون طلبا للحصول على تذكرة. وهذ يعني أن 150 مليون شخص حول العالم مستعدون للمشاركة في حركة هجرية عابرة للحدود الدولية والحصول على تأشيرات.. إلخ.

وفي الواقع لا توجد ارقام رسمية لعدد التذاكر المباعة فعلا ولكن مع العلم أن مليون زائر قدم لقطر في المونديال الأخير، وباعتبار أن هذ المونديال الحالي هو الاكبر في التاريخ بمشاركة 48 دولة، فمن المرجح ان نشهد أرقاما قياسية من المهاجرين الدوليين المؤقتين.

ومن جهة أخرى يفترض أن الدول المضيفة لكأس العالم على استعداد تام لاستضافة كل الزوار القادمين إليها، وبالتالي فإن الحاصل على تذكرة المونديال يعتبر ضمنيا أنه قد خطى الخطوة الأولى نحو المشاركة في حركة هجرية عالمية ناجحة.

2-1

السيادة الحدودية / تذكرة المونديال

 

ومن الواضح أن الدول المستضيفة للكأس قامت بخفض الجناح تجاه كثير من الحزم والصرامة اللتين كانتا حاضرتين بقوة عند نقاط التفتيش ونقاط العبور ، وتسهيل العديد من الإجراءات ، امام زخم الحركة الهجرية العالمية.

ولعله من الممكن القول أننا أمام تشكل خريطة جيوسياسية مؤقتة جديدة من نوعها، مدفوعة بالهجرة لاغير ، ف#من_المعلوم أنه لطالما كانت تجارب الدول الحديثة في خلق فضاء حر للحركة محدودة، ومحصورة في انجع صورها في مناطق الشمال العالمي او في مناطق ذات مستويات تنموية متقاربة، كمنطقة شنغن في اوروبا، و مجلس التعاون الخليجي، و ايكواس، وغيرها.

فكل تلك الفضاءات الحرة تشترك في صفة واضحة انها محصورة في جانب من جانبين ( الشمال والجنوب) .

 

غير أنه ولأول مرة، نشهد خلق نوع من المساحة الحرة التي تمنح حرية تنقل محدودة بين الشمال والجنوب ولئن كانت اقل شئنا، ولكنها حرية حركة مصادق عليها بين الشمال ( الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ) و الجنوب ( المكسيك )، حيث قامت هذ الدول فعلا بتنسيق مشترك بوضع مجموعة من الإجراءات لتسهيل حركة الزوار خلال حدثنا الكروي.

في المقابل تحتفظ الدول بسيادتها على الحدود وتحافظ عليها قدر الإمكان فتعمل على وضع التقييدات في بعض الحالات وفي أسوأ الظروف تقوم برفض الراغبين بالدخول .

 

2-2

السيادة الحدودية/ تذكرة المونديال

 

ومن هنا يصبح المونديال من اهم المختبرات الحية والتاريخية التي تختبر حرية الحركة الدولية للأشخاص، وميدانا خصبا لجمع المعلومات حول هذا الموضوع الذي يحيل بدرجة أولى إلى صب ماهو عالمي في ماهو قومي أو بعبارة أخرى إلى العولمة، ولذا فإن عملية المفاوضة لاتزال قائمة ومستمرة، ومخرجاتها تتجلى في اشكال عدة ومتغيرة بما يتناسب مع ظاهرة دينامية كالهجرة .

 

مصباح الدين/ احمد

طالب بجامعة نواذيبو قسم الهجرة وحركات السكان.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى