نواذيبو.. مدينة بناها الجميع، فلا تختصروا تاريخها في الانتماء

نواذيبو.. مدينة بناها الجميع، فلا تختصروا تاريخها في الانتماء
[بقلم عبد الباقي العربي باحث مهتم بتاريخ أنواذيبو ]
عشتُ في المدينة الساحلية أنواذيبو، فيها وُلدت، وفي أحد أقدم أحيائها، حيّ لعريكيب، ترعرعت وكبرت. فيها كانت طفولتنا، ومنها تشكلت ذاكرتنا الأولى، وبين أزقتها تعلمنا معنى الجيرة، وفضيلة التعايش، وقيمة أن يكون الإنسان ابن مدينة قبل أن يكون ابن قبيلة أو جهة أو مكوّناً اجتماعياً.
ولهذا، فإن الحديث عن أنواذيبو بالنسبة لي ليس حديثاً عن مكان جغرافي فحسب، وإنما عن مدينة صنعت وجدان أجيال كاملة، وعن تجربة اجتماعية وإنسانية نادرة، كان عنوانها الأبرز التعايش والسلام والانتماء المشترك.
وقد أثار انتباهي في الآونة الأخيرة النقاش العام حول من يحق له الحديث عن أنواذيبو، ومن يملك حق تمثيل ذاكرتها والتعبير عن هويتها والانتماء إليها. وهو نقاش يستحق التوقف عنده بهدوء ومسؤولية؛ ليس من أجل إنكار حق السكان الأصليين في الاعتزاز بتاريخهم، فهم أصحاب حضور تاريخي أصيل في هذه المنطقة، ولا يمكن الحديث عن أنواذيبو دون الاعتراف بدورهم وجذورهم وذاكرتهم، وإنما من أجل طرح سؤال أوسع: هل يمكن أن تختزل مدينة بهذا الحجم والتاريخ في رواية واحدة، أو أن يُحصر حق الحديث عنها والانتماء إليها في فئة دون غيرها؟
إن الاعتراف بالسكان الأصليين وخصوصية تاريخهم لا يعني إلغاء تاريخ الأجيال التي جاءت بعدهم، كما أن الاعتراف بإسهام الوافدين والمقيمين في بناء أنواذيبو الحديثة لا يعني بأي حال الانتقاص من مكانة السكان الأوائل. فلكل مرحلة رجالها ونساؤها، ولكل جيل بصمته، وكل هؤلاء صنعوا، بدرجات مختلفة، قصة المدينة التي نعرفها اليوم.
ومن هنا، فإن أنواذيبو لا تحتاج إلى منافسة بين رواياتها، بل إلى ذاكرة تستوعب الجميع: ذاكرة تحفظ حق السكان الأصليين في تاريخهم، وتعترف في الوقت نفسه بحق الأجيال التي استقرت في المدينة وأسهمت في عمرانها واقتصادها ومجتمعها في أن تكون جزءاً من حاضرها وذاكرتها. فالسؤال ليس: من يملك أنواذيبو؟ وإنما: كيف نحفظ تاريخ من سبق، وننصف من بنى، ونضمن أن تظل المدينة فضاءً مشتركاً لأبنائها جميعاً؟
إن أنواذيبو مدينة لها جذور ضاربة في تاريخ المنطقة، وسكان أصليون ارتبطوا بها وبساحلها ومجالها منذ أزمنة بعيدة ودافعوا عنها وقاموا المستعمر ووضعوا اللبنات الأولى لنشأتها ، ولا يمكن ولا ينبغي أن ينكر أحد هذا التاريخ. لكن المدينة التي نعيشها اليوم لم تتشكل فقط من خلال ذلك الامتداد التاريخي، وإنما تشكلت أيضاً عبر موجات متعاقبة من الهجرة والاستقرار والعمل، خصوصاً مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي عرفتها المنطقة خلال القرن العشرين.
لقد كانت أنواذيبو، في مراحلها الأولى، مدينة ساحلية قاسية المناخ، شحيحة المياه، ولم تكن الحياة فيها سهلة. ثم جاءت التحولات الكبرى المرتبطة باكتشاف الحديد وتطور قطاع التعدين، ومعها ازدهار نشاط الصيد البحري، فتحولت المدينة تدريجياً إلى مركز اقتصادي وعمالي يستقطب الناس من مختلف أنحاء موريتانيا.
جاء إليها أبناء الحوضين، وأبناء العصابة، والترارزة، والبراكنة، وآدرار، وتكانت، وكوركول، وغورغول، ومن ضواحي وبوادي انواذيبو، وغيرها من مناطق البلاد. جاءوا من قرى ومدن مختلفة، ومن خلفيات اجتماعية وثقافية متعددة، وحمل كل واحد منهم شيئاً من منطقته، لكنه حين استقر في أنواذيبو أصبح جزءاً من قصتها.
لم يأت هؤلاء زائرين عابرين.
جاءوا للعمل.
جاءوا لبناء مستقبلهم.
عملوا في المناجم، وفي الميناء، وفي الصيد، وفي المصانع، وفي الورش، وفي التجارة، وفي الخدمات، وفي الإدارة، وفي مختلف المهن التي جعلت من أنواذيبو مدينة نابضة بالحياة.
ومن عرق هؤلاء العمال، ومن تعبهم، ومن أجورهم التي كانت تعيل أسرهم، ومن أحلامهم الصغيرة والكبيرة، تشكلت مدينة أنواذيبو الحديثة.
ولهذا فإن اختزال المدينة في مفهوم “السكان الأصليين” فقط، إذا أريد به إقصاء بقية أبنائها الذين عاشوا فيها وأعمروها وأسهموا في نهضتها، لا يعكس الواقع التاريخي والاجتماعي للمدينة.
فالمدينة الحديثة لا تُبنى بالدم وحده، وإنما تُبنى بالإنسان والعمل والذاكرة والانتماء والمشاركة.
لقد كانت أنواذيبو، في أوج ازدهارها، مدينة عمالية بامتياز.
وهذا الوصف ليس انتقاصاً منها، بل هو مصدر فخرها.
فالمدن العمالية في العالم غالباً ما تنشأ حول الصناعة والمناجم والموانئ والمصانع، وتستقطب العمال من مناطق مختلفة، فيتشكل منها مجتمع جديد، متعدد الأصول، لكنه موحد حول العمل والمدينة والمصير المشترك.
وهكذا كانت أنواذيبو.
لم يكن العامل الذي يدخل المصنع صباحاً يسأل زميله عن أصله قبل أن يشاركه العمل. ولم يكن البحار الذي يخرج إلى البحر يسأل رفيقه عن منطقته قبل أن يشاركه الخطر والرزق. ولم تكن الجيرة في الأحياء القديمة تُبنى على سؤال: “من أين أنت؟”، وإنما على سؤال أكثر بساطة وإنسانية: هل أنت جارنا؟
وفي حي لعريكيب، حيث عشنا طفولتنا، كانت الأبواب مفتوحة.
كبرنا بين أسر متعددة الخلفيات، وتعلمنا منذ الصغر أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن تعدد الناس لا يعني تعدد المدينة.
كنا نعرف بعضنا بأسماء الأحياء، والمدارس، وملاعب الطفولة، ومواقع البيوت، وبالذكريات المشتركة.
وكثيراً ما كنا نُعرّف أنفسنا ببساطة بأننا أبناء أنواذيبو.
لم يكن أحد منا في حاجة إلى إبراز لون بشرته أو أصله أو جهته لكي يثبت أنه ينتمي إلى المدينة.
كانت أنواذيبو هي الانتماء الأكبر.
وهذه ربما واحدة من أجمل الخصائص التي ميزت المدينة في مراحلها الذهبية.
لقد صنعت أنواذيبو هوية مدينية تتجاوز الانتماءات الضيقة.
كان ابن المدينة هو ابن المدينة، أياً كان أصل أسرته.
وكانت المدرسة تجمع الجميع.
والحي يجمع الجميع.
ومكان العمل يجمع الجميع.
والمسجد يجمع الجميع.
والملعب يجمع الجميع.
والسوق يجمع الجميع.
والبحر، ذلك البحر الذي كان مصدر رزق المدينة، لم يكن يسأل الناس عن أصولهم قبل أن يمنحهم خيره.
لقد كانت المدينة، في جزء كبير من تاريخها الحديث، نموذجاً مصغراً لموريتانيا بكل تنوعها.
ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على هذه الروح.
إن الاعتزاز بالسكان الأصليين وتاريخهم أمر مشروع ومحمود، لكن الاعتزاز لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار للمدينة.
فكما أن من الخطأ أن ينكر أحد الدور التاريخي للسكان الأوائل، فمن الخطأ أيضاً أن ينكر دور الأجيال التي جاءت لاحقاً، واستقرت، وعملت، وأنجبت أبناءها، ودفنت موتاها في تراب المدينة، وبنت بيوتها ومدارسها ومصانعها وأسواقها.
هناك أناس وُلدوا في أنواذيبو ولم يعرفوا وطناً غيرها.
وهناك من جاء إليها طفلاً، وكبر فيها، ثم دفن والديه فيها.
وهناك من أمضى فيها أربعين أو خمسين عاماً من عمره.
وهناك من لم يعد يعرف عن المنطقة التي جاء منها أبوه أو جده إلا اسمها.
فهل يمكن أن نقول له بعد كل هذه العقود: أنت لست من أهل المدينة؟
وهل يمكن أن نختزل الانتماء في شجرة نسب، وننسى أن هناك شجرة أخرى اسمها شجرة الذاكرة، تنمو بالعيش المشترك والعمل والسنوات والتجارب؟
أنواذيبو مدينة لها تاريخ، نعم.
ولها سكان أصليون، نعم.
ولها خصوصية ثقافية واجتماعية، نعم.
لكن لها أيضاً أبناء جدد صنعهم تاريخها الحديث.
وهؤلاء ليسوا غرباء عنها.
إنهم جزء من قصتها.
والأهم من ذلك أن أبناء هؤلاء أصبحوا هم أيضاً جزءاً من تاريخها.
فالأب الذي جاء إلى أنواذيبو عاملاً في شركة ميفرما ، أو صياداً، أو موظفاً، أو تاجراً، لم يكن يعرف أنه يشارك في صناعة تاريخ مدينة سيولد فيها أبناؤه وأحفاده.
كان يبني لقمة عيشه، لكنه كان في الحقيقة يبني مدينة.
ولهذا فإن الحديث عن أنواذيبو يجب أن يكون حديثاً عن من أسس، ومن عمل، ومن عمر، ومن حافظ، ومن ساهم.
لا حديثاً عن من يحق له وحده أن ينسب المدينة إلى نفسه.
فالمدن لا تُورّث كقطعة أرض خاصة.
المدن تُبنى.
ومن يبني مدينة ويعيش فيها ويحافظ عليها ويشارك في نهضتها، يصبح جزءاً من ذاكرتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نستعيده من تاريخ أنواذيبو هو ذلك الشعور القديم الذي كان يجمع أبناءها: نحن أبناء مدينة واحدة.
لقد كانت هناك اختلافات اجتماعية وثقافية، بالطبع، ولم تكن الحياة خالية من المشاكل والتوترات، مثل أي مجتمع بشري. لكن روح المدينة كانت أقوى من تلك الاختلافات.
كان الناس يتجاورون، ويتصاهرون، ويتعاونون، ويتقاسمون الأفراح والأتراح.
وفي المناسبات الاجتماعية، وفي المدارس، وفي أماكن العمل، وفي الأحياء، تداخلت القصص والعائلات والصداقات حتى أصبح من الصعب أحياناً فصل ذاكرة المدينة إلى “هؤلاء” و”أولئك”.
لقد امتزجت الذاكرة.
وامتزج العرق بالعرق.
والحكاية بالحكاية.
والحي بالحي.
والمدينة بأبنائها جميعاً.
ومن المؤسف أن نعود اليوم إلى خطاب يمكن أن يعيد فتح أسئلة تجاوزها جيل كامل من أبناء أنواذيبو.
فالمدينة تحتاج إلى خطاب يجمع، لا خطاب يقسم.
تحتاج إلى استحضار تاريخها العمالي، لا إلى إعادة إنتاج تصنيفات اجتماعية قديمة.
تحتاج إلى أن تقول لكل من عاش فيها وأسهم في بنائها: هذه مدينتك.
وفي الوقت نفسه، فإن احترام السكان الأصليين وتاريخهم وحقوقهم الثقافية والاجتماعية والسياسية لا يتعارض إطلاقاً مع هذا التصور.
بل إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالجميع.
نعترف بمن سبق.
وننصف من لحق.
ونحترم من حافظ.
ونقدر من بنى.
ونفتح الباب لمن يريد أن يشارك في مستقبل المدينة.
هذه هي العدالة التاريخية.
أما أن نضع الانتماء في مواجهة الانتماء، والأصل في مواجهة الأصل، والسكان الأصليين في مواجهة الوافدين، فذلك لا يخدم أنواذيبو ولا يخدم موريتانيا.
لأن أنواذيبو في النهاية ليست جزيرة منفصلة عن موريتانيا.
إنها واحدة من أكثر المدن الموريتانية تعبيراً عن موريتانيا نفسها.
فكما اجتمع في موريتانيا أبناء مختلف الجهات والمكونات، اجتمعوا في أنواذيبو.
وكما تتنوع موريتانيا في أعراقها وثقافاتها ومناطقها، تنوعت أنواذيبو.
لكن ما ميز هذه المدينة أنها حولت هذا التنوع إلى مجتمع مديني مشترك.
وهذا هو الإرث الذي ينبغي أن نحافظ عليه.
لقد عرفت أنواذيبو أياماً كانت فيها الأبواب مفتوحة، والقلوب أكثر انفتاحاً، وكان الناس ينظرون إلى المدينة باعتبارها مساحة مشتركة للعيش والعمل وبناء المستقبل.
وكان من الطبيعي أن تجد في بيت واحد قصة من الحوض، وفي البيت المجاور قصة من الترارزة، وفي بيت ثالث قصة من كوركول، وفي آخر قصة من آدرار أو تكانت أو البراكنة او لعصابة أو غيرها.
ولم يكن ذلك ضعفاً في هوية المدينة.
بل كان هو قوة أنواذيبو.
فالمدينة التي تستوعب الجميع لا تفقد هويتها؛ بل تصبح هويتها أوسع وأغنى.
إنني، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتب دفاعاً عن “وافدين” في مواجهة “سكان أصليين”، لأنني أرفض أصلاً أن تُختزل أنواذيبو في هذا التقابل.
أنا أكتب دفاعاً عن أنواذيبو التي عرفناها.
عن أنواذيبو التي كبرنا فيها.
عن أنواذيبو التي علمتنا أن الإنسان يمكن أن يكون مختلفاً عنك في أصله، لكنه قريب منك في إنسانيته.
عن أنواذيبو التي كنا نعرف أبناءها بأنهم أبناء أنواذيبو.
عن المدينة التي جمعت العمال والبحارة والمهندسين والتجار والموظفين والحرفيين والصيادين، وجعلت من كل واحد منهم لبنة في صرحها.
ومن حق كل مكوّن وكل أسرة وكل منطقة أن تروي قصتها مع المدينة.
لكن ليس من حق أحد أن يمحو قصة الآخرين.
فذاكرة أنواذيبو ليست ذاكرة أسرة واحدة، ولا قبيلة واحدة، ولا جهة واحدة، ولا مكوّن واحد. إنها ذاكرة مدينة بأكملها.
وفي هذه الذاكرة مكان للسكان الأوائل، ومكان للعمال الذين قدموا من مختلف جهات موريتانيا، ومكان للصيادين، ومكان للموظفين، ومكان للتجار، ومكان للمهندسين، ومكان للمعلمين، ومكان للنساء اللواتي بنين أسرهن في هذه المدينة، ومكان لكل طفل ولد فيها ولم يعرف لنفسه وطناً سواها.
أنواذيبو ليست فقط المكان الذي نسكنه.
إنها المكان الذي نعيش فيه ونُسهم في صناعته.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: “لمن أنواذيبو؟”
بل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو:
ماذا فعلنا لأنواذيبو؟ وماذا سنفعل من أجل مستقبلها؟
لأن المدينة لا تحتاج اليوم إلى من يتنازع ملكيتها الرمزية، بقدر ما تحتاج إلى من يحمي بيئتها، ويطور اقتصادها، ويحافظ على قطاعها المعدني، وينهض بالصيد، ويعالج مشكلاتها الحضرية، ويحافظ على ذاكرتها، ويوثق تاريخها، ويمنح شبابها الأمل.
تحتاج إلى خطاب يقول لأبنائها جميعاً: أنواذيبو تتسع لكم.
فالمدن الكبيرة لا تكبر حين تُغلق أبوابها، وإنما تكبر حين تستوعب أبناءها وتحترم تاريخها وتفتح المستقبل أمام الجميع.
وأنواذيبو، بما لها من تاريخ عمالي واقتصادي وسياسي وإنساني، تستحق أن تبقى مدينة للتعايش.
مدينة للسلام.
مدينة للعمل.
مدينة للذاكرة.
مدينة لكل من أسهم في بنائها.
أنواذيبو للسكان الأصليين حقاً في تاريخها، ولمن عمرها حقاً في ذاكرتها، ولمن بناها حقاً في حاضرها، ولأبنائها جميعاً حقاً في مستقبلها.
ومن أحب أنواذيبو حقاً، لا ينبغي أن يبحث عن جدار يفصل أبناءها، وإنما عن جسر يجمعهم.
فقد وضع الجميع، كلٌّ من موقعه، لبنة في بناء هذه المدينة.
والمدينة التي بناها الجميع، لا ينبغي أن يحتكرها خطاب واحد.
أنواذيبو مدينة عمالية… والمدن العمالية للجميع.
أنواذيبو مدينة التعايش… والتعايش لا يقبل الإقصاء.
أنواذيبو مدينة السلام… والسلام يبدأ حين يشعر كل ابن من أبنائها أنه ينتمي إليها، وأنها تنتمي إليه.



