الكتاب المدرسي : ركيزة الإصلاح التربوي وأداة بناء المدرسة الجمهورية \ عثمان جدو

لا شك ان الكتاب المدرسي يحتل مكانة محورية في أي نظام تربوي يسعى إلى بناء الإنسان وتطوير المجتمع، فهو ليس مجرد صفحات تتضمن معلومات ودروسًا، بل هو أداة أساسية لنقل المعرفة، وترسيخ القيم، وتنمية المهارات، وتوحيد المعارف التي يتلقاها التلاميذ. وفي بلادنا، تزداد أهمية الكتاب المدرسي في ظل التوجيهات السامية والقرارات السيادية التي تبناها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني منذ توليه قيادة البلاد من اجل إصلاح المنظومة التربوية، وتعزيز المدرسة الجمهورية، وتحقيق تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن، بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ومناطقهم الجغرافية.
ومن هنا تبرز أهمية التساؤلات التالية: ما هو دور الكتاب المدرسي في تحسين جودة التعليم؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجه توفيره واستعماله؟ وكيف يمكن تطويره ليواكب متطلبات الإصلاح التربوي؟
ولمحاولة بسط الإجابة على هذه التساؤلات يمكن القول:
إن الكتاب المدرسي هو أساس العملية التربوية؛ فهو يشكل مرجعًا أساسيًا للمعلم والمتعلم، إذ يساعد على تنظيم الدروس وفق المقررات والبرامج المعتمدة، ويمنح التلميذ فرصة مراجعة ما يتلقاه داخل الفصل، والاستعداد للامتحانات، وتنمية قدرته على التعلم الذاتي.
كما يساهم في توحيد الحد الأدنى من المعارف والمهارات بين المدارس، ويحد من تفاوت المحتوى التعليمي الذي قد ينتج عن الاعتماد المفرط على الاجتهادات الفردية للمدرسين أو الدروس الخصوصية.
وفي نظامنا التربوي حيث تتفاوت ظروف المؤسسات التعليمية بين المدن والقرى والمناطق النائية، يمثل الكتاب المدرسي وسيلة مهمة لتقريب فرص التعلم، شريطة أن يكون متاحًا لجميع التلاميذ، وأن تتناسب مضامينه مع مستوياتهم واحتياجاتهم؛ وهذا مايجعل الكتاب يظل تحت المراجعة والتحيين دوما ودواما وفق الآلية التنظيمية الدقيقة المتبعة لذلك.
كما يساهم الكتاب المدرسي في توحيد الحد الأدنى من المعارف والمهارات بين المدارس، ويحد من تفاوت المحتوى التعليمي الذي قد ينتج عن الاعتماد المفرط على الاجتهادات الفردية للمدرسين أو الدروس الخصوصية، أو بعبارة أخرى يذيب الكتاب المدرسي الفوارق بين المدرسين كما يذيب المدرس المجتهد والمقتدر الفوارق بين التلاميذ الدارسين، وبالتالي فهو يجعل ظالع المدرسين على كتف ضليعهم.
إن المتأمل للمشهد التربوي، الحاذق، الفطن، يدرك بجلاء دور الكتاب المدرسي في ترسيخ المدرسة الجمهورية؛ فالمدرسة الجمهورية تقوم فكرتها على جعل المدرسة فضاءً مشتركًا يجمع أبناء موريتانيا في نفس الظروف، ويتيح لهم نفس الإمكانات، ويعزز فيهم قيم المواطنة والمساواة والتعايش السلمي المشترك، وويرفع في نفوسهم منسوب الشعور بالوحدة الوطنية.
وفي هذا السياق، يؤدي الكتاب المدرسي دورًا يتجاوز تقديم المعلومات العلمية؛ إذ يستطيع أن يسهم في ترسيخ احترام التنوع الثقافي واللغوي، وتعزيز قيم التضامن والإنصاف، وتربية الأجيال على احترام القانون ووأداء الواجبات و وصون ووعي الحقوق.
فالكتاب المدرسي الجيد لا يكتفي بتلقين التلميذ ما ينبغي أن يعرفه، بل يساعده على فهم مجتمعه، والاعتزاز بهويته الوطنية، والانفتاح على الثقافات الأخرى، وتقبل الاختلاف.
ولذلك، فإن تطوير الكتاب المدرسي راعى في الماضي ويراعي حالا الخصوصية الوطنية، وقدم ويقدم صورة متوازنة عن تاريخ البلاد وثقافاتها ومكوناتها الاجتماعية، بعيدًا عن الإقصاء أو الصور النمطية؛ وزاد المعهد التربوي الوطني في سبيل تجسيد ذلك إلى استزراع كل هذه الخلاصات الإجابية؛ بما يكفل ديمومة الفائدة وحسن الاستفادة.
إن دور الكتاب المدرسي في تحسين جودة التعليم لا يجاريه دور أية جهة أخرى؛ مهما انثالت عليها المناصرات والمجاملات؛ فقيمة الكتاب المدرسي ثابتة، راسخة، زكية، ندية، رضعتها الأجيال منذ فجر الدولة الأول، وحاز الكتاب المدرسي بذلك شرف الإرضاع والتربية في آن، وغيره في الأهمية التربوية؛ لاحق وتبع في أحسن احواله.
لا يمكن لأي كان ان يتصور تحقيق إصلاح تربوي مستدام من دون مراجعة محتوى الكتب المدرسية وطرق تأليفها وإنتاجها وتوزيعها؛ وما ذاك إلا لاهميته الفريدة، وكما ذكر فالكتاب لا يركز على الحفظ والتلقين وحدهما وإن كان ذلك يحقق قدرًا كبيرا من استرجاع المعلومات، لكنه لا يكفي لبناء شخصية قادرة على التحليل والإبداع وحل المشكلات.
ومن ثم اتجه تطوير الكتب المدرسية في بلادنا إلى عدة أولويات:
– تحديث المحتوى العلمي: حتى يواكب التطورات المعرفية والتكنولوجية.
-تطوير أساليب التعلم: عبر الأنشطة والتطبيقات والتجارب والأسئلة التي تحفز التفكير النقدي.
– مراعاة الفروق الفردية: من خلال التدرج في الصعوبة وتنوع التمارين.
– ربط المعرفة بالحياة اليومية: حتى يدرك التلميذ علاقة ما يتعلمه بواقعه المحلي.
– تعزيز المهارات الأساسية: خصوصًا القراءة والكتابة والحساب والفهم والتواصل.
كما انسجم الكتاب المدرسي مع التكوين الذي يتلقاه المدرسون عادة، ومعروف أن الكتاب قد يفقد جزءًا كبيرًا من أثره إذا لم تتوافر للمعلم الوسائل والمهارات اللازمة لتوظيفه بفاعلية.
إن ما تقدم من ذكر حسن يجسد الحقيقة لن يلهينا عن ذكر أبرز التحديات التي تواجه الكتاب المدرسي في بلادنا، فرغم أهمية الكتاب المدرسي، فإن أثره يظل مرتبطًا بمدى توفره وجودته وسهولة استعماله، وفي هذا الخضم يمكن تحديد جملة من التحديات التي تستحق المعالجة:
1. في الماضي كان يطرح موضوع نقص الكتب أو تأخر وصولها، وتقلص ذلك حتى صار في عناوين ومواد محدودة؛ ولأنه عندما لا يحصل التلميذ على كتابه في الوقت المناسب، تتأثر قدرته على المتابعة والمراجعة، ويزداد الاعتماد على نسخ محدودة أو وسائل بديلة فقد سعى المعهد التربوي الوطني على تغيير ذلك الواقع بتوفير الكتب في الوقت المناسب وبالكمية المطلوبة، وهو الآن في طريقه إلى محو آثار تلك النواقص السلبية، ومن ذلك استئناسا انه وزع الكتب هذه السنة 2026 / 2027 قبل الافتتاح بأسبوعين تقريبا، عكس السنة الماضية مثلا؛ التي انقضى منها فصل دراسي دون إجراء مشابه.
2. ارتفاع التكلفة على الأسر: قد يشكل اقتناء الكتب واللوازم المدرسية عبئًا على الأسر محدودة الدخل، مما يجعل توفير الكتب الأساسية بصورة منصفة جزءًا من سياسة تكافؤ الفرص؛ ولذلك من المستحسن التنسيق مع مع تآزر او بعض الهيئات الخيرية أو الخيرين الكثر في المجتمع لمساعدة المحتاجين لهذه الدعامة المفيدة والتي تزاحم قيمتها قيمة الدواء والغذاء.
3. تفاوت التوزيع الجغرافي: قد تواجه المؤسسات التعليمية في المناطق النائية صعوبات أكبر في التزود المنتظم بالكتب، وهو ما يستدعي تحسين التخطيط اللوجستي ومتابعة التوزيع؛ ولو باستحداث بدائل عن الايويق الرمزي في بعض المناطق كاقتناء الكتب عن طريق لجان التسيير ونقلها وتمكين المعزولين جغرافيا منها.
4. ضرورة المراجعة المستمرة للمحتوى: فالمناهج والكتب تحتاج إلى تقويم دوري للتأكد من دقتها، وملاءمتها للمستويات الدراسية، وانسجامها مع أهداف الإصلاح التربوي، وهذا يحصل دوما لكن من الواجب توسيع دائرة المؤلفين والمدققين تفاديا للأخطاء وضمانا لجودة المحتوى.
5.محدودية البدائل الرقمية في بعض البيئات: يمكن للموارد الرقمية أن تدعم التعلم، لكن الاعتماد عليها وحدها لا يناسب جميع التلاميذ بسبب تفاوت توفر الأجهزة والكهرباء والاتصال بالإنترنت؛ وبالتالي فإن استحداث داخليات مدرسية في بعض المناطق اهميته كبيرة جدا جدا وحبذا لو انتشر في كل انحاء الوطن.
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب سياسة متكاملة تجمع بين توفير الكتب، وضمان جودتها، وتوزيعها العادل، وتكوين المدرسين على استخدامها وإلزامهم بذلك.
وفي سبيل تطوير الكتاب المدرسي يلزمنا الانتقال من التعامل معه باعتباره مادة علمية مطبوعة او دعامة بسيطة إلى اعتباره استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الأجيال ورفيق درب يلازمهم ثلاثة عشر سنة وهم في فترة عمرهم الحساسة؛ فترة الصبى والمراهقة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال الإجراءات التالية:
ضمان وصول الكتاب إلى كل تلميذ: وفق خطة توزيع واضحة، تسبق انطلاق السنة الدراسية، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر احتياجًا.
مراجعة الكتب بصورة دورية: بمشاركة خبراء المناهج والمدرسين والمفتشين والباحثين، والاستفادة من ملاحظات الميدان؛ فزبدة الإجراءات ينبغي ان تعصر ملاحظات الميدان.
إشراك المدرسين في التأليف والتقويم: لأنهم الأقدر على رصد الصعوبات التي يواجهها التلاميذ في فهم الدروس والتطبيقات المرتبطة بها.
تحسين جودة الطباعة والإخراج: من حيث وضوح الخط والرسوم والجداول، ومتانة التجليد، ومناسبة التصميم لأعمار المتعلمين وتقليص المحتوى العلمي مراعاة لاعمار التلاميذ.
تعزيز العدالة الاجتماعية: من خلال سياسات فعالة لتوفير الكتب المدرسية مجانا للتلاميذ غير القادرين على اقتنائها.
إنتاج نسخ رقمية مكملة: تتيح التمارين التفاعلية والمواد الصوتية والمرئية، دون أن تحل محل الكتاب الورقي حيث تظل الحاجة إليه قائمة، وهنا نظفت الانتباه إلى وجود نسخ طبق الأصل للكتب المدرسية متاحة للتصفح والتنزيل عبر منصة كتبي koutoubi.mr.
ربط الكتب بتطوير التقييم: بحيث تقيس التمارين الفهم والتطبيق والاستنتاج، لا مجرد القدرة على حفظ المعلومات واسترجاعها.
أخيرا: إن الكتاب المدرسي ليس مجرد أداة مساعدة في التدريس، بل هو أحد الأعمدة التي يقوم عليها الإصلاح التربوي وبناء المدرسة الجمهورية. فمن خلاله تتحدد معارف التلميذ، وتتكون مهاراته، وتتأثر نظرته إلى وطنه ومجتمعه ومستقبله.
ولذلك، فإن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يقاس فقط بتغيير المناهج أو بناء المدارس أو تنظيم المسابقات، بل يقاس أيضًا بمدى قدرة كل تلميذ على الحصول على كتاب جيد، وفهم محتواه، والاستفادة منه في بناء شخصيته وتنمية قدراته.
فالمدرسة التي تريد تحقيق تكافؤ الفرص لا بد أن تضمن تكافؤ الوصول إلى المعرفة، والكتاب المدرسي هو أحد أهم مفاتيح ذلك. ومن هنا، فإن الاستثمار في الكتاب المدرسي، تأليفًا وطباعةً وتوزيعًا وتقويمًا، هو استثمار في الإنسان الموريتاني، وفي مستقبل التعليم، وفي قدرة الأجيال القادمة على المشاركة في بناء وطنها والنهوض به.



