الحوار الوطني: من إدارة الخلاف إلى صناعة التوافق

يُجسّد الحوار الوطني بين الأطراف السياسية خيارًا استراتيجيًا لإدارة التباين في الآراء والتوجهات، وترسيخ أسس الاستقرار و اللحمة الوطنية. وهو ليس مبادرة ظرفية ولا استجابة آنية لظرف سياسي، بل مسارٌ واعٍ تُدار به لحظات التحول الكبرى، وتُصان عبره المصالح العامة، وتُبنى الثقة بين مختلف الفاعلين، وتُعاد صياغة الخلافات في إطار سياسات متوازنة تخدم التنمية وتحمي السلم الاجتماعي.
ويؤسس الحوار الوطني لفضاء عقلاني تتحول فيه الاختلافات من منطق الغلبة والصدام إلى تنافس الرؤى والبرامج، ومن تضارب المصالح إلى تعاقد وطني جامع، بما يضمن استقامة القرار العام، ويُعزز شرعيته الأخلاقية والعملية، ويؤسس لتنمية شاملة وعادلة لا تُقصي أحدًا ولا تُراكم الأزمات.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، جاءت دعوة صاحب الفخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحوار الوطني، لا ابتغاءً لمكاسب سياسية آنية، ولا سعيًا لغلبة طرف على آخر، بل ترسيخًا للمصلحة العليا للوطن، وتعزيزًا للاستقرار، وتحويلًا للاختلاف إلى مصدر قوة، وللتنوع إلى رافعة إصلاح، عبر مشاركة وطنية واسعة تُكرّس مبدأ الشراكة، وتُعزز شرعية القرار، وتدعم مسار السلم والتنمية المستدامة.
ويُعدّ هذا الحوار إطارًا وطنيًا جامعًا لتشخيص القضايا العالقة ومعالجتها أو تسويتها بروح العدالة والإنصاف، وطيّ صفحات الماضي بروح المصالحة والمسؤولية، من خلال الاعتراف بما وقع من أضرار، وجبرها، وإنصاف المتضررين وأصحاب الحقوق، بما يُرسّخ الثقة الوطنية ويعزز التماسك الاجتماعي.
كما يفتح الحوار المجال لصياغة حلول عملية قابلة للتنفيذ لمعالجة الإشكالات البنيوية التي تعيق الاندماج الاجتماعي و تأجل النمو، بما في ذلك مخلفات الرق، وأشكال التهميش، وقضايا الفساد، وترسيخ رؤية المواطنة الجامعة القائمة على المساواة والعدالة. ويؤكد، في هذا السياق، على نبذ التطرف بجميع أشكاله، وتعزيز قيم الاعتدال والتعايش، باعتبارها ركائز أساسية لدولة مستقرة ومجتمع متماسك.
ويظل الحوار الوطني، في جوهره، مسارًا تراكميًا ومسؤولية جماعية، تتطلب صدق النوايا، واحترام الاختلاف، والالتزام بمخرجات توافقية قابلة للتنفيذ، بما يجعل منه أداة لبناء دولة قوية و عادلة، ومتصالحة مع ذاتها، وقادرة على تأمين مستقبل مستقر ومزدهر لجميع أبنائها.
النائب دداهي الغيلاني



