منظمة زاكية : قيمة التشاور تظل رهينة بما يبنى عليه من سياسات واضحة المعالم

قالت منظمة زاكية ، إنّ الاجتماع الذي دأب عليه الوزير الأول، المختار ولد انجاي، مع الفاعلين والمنخرطين في قطاع الصيد عبر الاتحادية المهنية، يُمثّل في ظاهره ممارسةً صحية تُجسد روح التشاور، وتؤكد الحرص على مواكبة المستجدات وتقييم النتائج بصفة دورية.
واضافت المنظمة في بيان ، أن إتاحة منصة للحوار المباشر بين صانع القرار وأهل القطاع يُعد خطوة إيجابية في حد ذاتها، لما تتيحه من تشخيصٍ ميداني للتحديات، واستحضارٍ للانشغالات الحقيقية بعيدًا عن التقارير المكتبية الجافة.
وأشارت المنظمة إلى أنّ قيمة التشاور تظل رهينة بما يُبنى عليه من سياسات واضحة المعالم، وإرادة إصلاحية تتجاوز منطق التسيير اليومي إلى منطق الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى .. فالتوقف عند التحديات في كل اجتماع أمر محمود، لكن الأهم هو تحويل هذا التوقف إلى قرارات جريئة تُعالج جذور الاختلالات البنيوية التي أوصلت القطاع إلى وضعه الراهن، حيث تتكرر الإشكالات ذاتها دون تغيير نوعي ملموس.
وهذا نص البيان ..
بيان :
إنّ الاجتماع الذي دأب عليه معالي الوزير الأول، مختار ولد انجاي، مع الفاعلين والمنخرطين في قطاع الصيد عبر الاتحادية المهنية، يُمثّل في ظاهره ممارسةً صحية تُجسد روح التشاور، وتؤكد الحرص على مواكبة المستجدات وتقييم النتائج بصفة دورية. ولا شك أن إتاحة منصة للحوار المباشر بين صانع القرار وأهل القطاع يُعد خطوة إيجابية في حد ذاتها، لما تتيحه من تشخيصٍ ميداني للتحديات، واستحضارٍ للانشغالات الحقيقية بعيدًا عن التقارير المكتبية الجافة.
غير أنّ قيمة التشاور تظل رهينة بما يُبنى عليه من سياسات واضحة المعالم، وإرادة إصلاحية تتجاوز منطق التسيير اليومي إلى منطق الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
فالتوقف عند التحديات في كل اجتماع أمر محمود، لكن الأهم هو تحويل هذا التوقف إلى قرارات جريئة تُعالج جذور الاختلالات البنيوية التي أوصلت القطاع إلى وضعه الراهن، حيث تتكرر الإشكالات ذاتها دون تغيير نوعي ملموس.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن الإشكال في قطاع الصيد ليس ظرفيًا، بل هو إشكال هيكلي يتعلق بنمط استغلال الثروة البحرية، وبطبيعة الاتفاقيات المنظمة لها، وبضعف منظومة التثمين المحلي. فمن غير المقبول أن تبقى غالبية ثروتنا السمكية تُستخرج من مياهنا الإقليمية ثم تُصدَّر خامًا إلى الخارج، خاصة إلى أوروبا في إطار اتفاقيات دولية، دون أن تمر بسلسلة تحويل حقيقية على اليابسة الوطنية، ودون أن تُخلق حولها منظومة صناعية متكاملة تُوفر فرص عمل دائمة، وتُنعش الاقتصاد المحلي، وتُعزز العائدات الجبائية.
إن تصدير المادة الخام، مهما كان حجمه، يظل مكسبًا ناقصًا إذا لم يُواكبه تثمين صناعي محلي يُضاعف القيمة المضافة، ويُوطّن الخبرات، ويُنشئ نسيجًا اقتصاديًا مرتبطًا بسلاسل الإنتاج والتوزيع والخدمات اللوجستية. فالدول التي سبقتنا في هذا المجال لم تعتمد على وفرة الموارد فقط، بل على حسن إدارتها وتحويلها إلى صناعة قائمة بذاتها، تستوعب اليد العاملة، وتدعم البحث العلمي، وتستثمر في الابتكار.
وعليه، فإن المرحلة تقتضي رؤية استراتيجية شاملة ومتكاملة، تقوم على مرتكزات واضحة، من بينها:
أولًا: تطوير البنية التحتية للتحويل والتصنيع محليًا، من خلال إنشاء وتحديث مصانع التعليب والتجميد والتحويل، وتوفير مناطق صناعية مجهزة بخدمات الطاقة والمياه واللوجستيك، بما يُشجع المستثمرين الوطنيين والأجانب على توطين أنشطتهم داخل البلاد بدل الاكتفاء بالصيد والتصدير.
ثانيًا: مراجعة بنود الاتفاقيات الدولية المنظمة للصيد، بما يضمن تحقيق مصلحة وطنية فعلية، ليس فقط من حيث العائد المالي المباشر، بل من حيث نقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وفرض نسب محددة للتفريغ والتصنيع المحلي.
ثالثًا: تحفيز الاستثمار في الصناعات السمكية عبر حوافز ضريبية وجمركية مدروسة، وتسهيل الولوج إلى التمويل، خاصة للمؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة، بما يخلق تنافسية حقيقية ويحد من احتكار بعض الفاعلين.
رابعًا: تعزيز آليات الرقابة والمتابعة لضمان الاستغلال المستدام للموارد البحرية، عبر دعم البحث العلمي البحري، وتحسين أنظمة التتبع والمراقبة، وتطبيق القوانين بصرامة على كل المخالفين، حمايةً للثروة الوطنية من الاستنزاف.
إن استمرار عقد الاجتماعات، مهما كانت نواياها حسنة، لن يُحدث التحول المنشود ما لم تُترجم مخرجاتها إلى سياسات مُعلنة بأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء واضحة، وآجال تنفيذ محددة، مع آلية تقييم ومساءلة شفافة. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقاءات ولا بحجم التصريحات، بل بمدى انعكاس القرارات على واقع المواطن، وعلى حجم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. كما أن الإصلاح المنشود لن يتحقق من دون تمكين المواطنين الموريتانيين العاملين في القطاع من امتلاك السفن والبواخر، عكس ما هو حاصل مع الصينيين في مجال الأخطبوط، والأتراك في مجال الصيد السطحي، حيث تم دمجهم في النظام الوطني بطريقة تخدم مصلحة الأجنبي وسماسرته من بعض الوطنيين.
وبدون هذا التحول من منطق التشاور الدوري إلى منطق التخطيط الاستراتيجي الصارم، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الاجتماعات والتوصيات، فيما تواصل ثروتنا البحرية مغادرة شواطئنا خامًا، وتضيع معها فرص التنمية والتشغيل والسيادة الاقتصادية.
انواكشوط بتاريخ 27/02/2026
اللجنة الإعلامية لمنظمة زاكية للتنمية المستدامة وحماية البيئة.



