حين تفشل الثروات… هل تُنقذنا هواتف المواطنين وتصدير المواشي؟

سيدي الرئيس :

يشعر كثير من المواطنين اليوم بأن بعض السياسات المتبعة لا تعكس روح البرنامج الإصلاحي الذي أعلنتموه، ولا تجسد التوجه الذي ينتظره الناس من قيادتكم. بل إن بعض المستشارين وأعضاء الحكومة – كما يرى الشارع – لا يطبقون برنامجكم كما ينبغي، بل يساهمون أحياناً في خلق فجوة بين الدولة والمواطنين، ويشوّشون على المسار الذي يأمل الناس أن يقود إلى إصلاح حقيقي.
فموريتانيا ليست بلداً فقيراً حتى يُبحث لها عن النجاة في الإجراءات الصغيرة. إنها بلد غني بثرواته: الحديد الذي ظل لعقود عماد الاقتصاد، والذهب الذي تضاعف سعره عالمياً، والثروة السمكية التي تُعد من أغنى السواحل في المنطقة، إضافة إلى النحاس والمعادن النفيسة، ثم الغاز الذي بُشّر به كمصدر جديد للنمو والازدهار.
وفوق هذه الثروات الطبيعية، حصلت البلاد على قروض معتبرة من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية والبنك الإفريقي للتنمية، إلى جانب هبات ومساعدات من دول صديقة كالصين والإمارات والسعودية. وكانت هذه الموارد – لو أُحسن تدبيرها – كفيلة بأن تصنع اقتصاداً متماسكاً وتنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

غير أن السؤال الذي يطرحه الناس اليوم بمرارة هو:
أين ذهبت كل هذه الموارد؟ ولماذا لم تنعكس على مستوى معيشة المواطن الذي ما زال يواجه الغلاء وضعف الخدمات وقلة فرص العمل؟

المفارقة أن بعض الإجراءات المطروحة حالياً تبدو بعيدة عن معالجة جوهر المشكلة. فبدلاً من إصلاح الاختلالات الكبرى في إدارة الثروات وتعزيز الشفافية والمساءلة، نجد أنفسنا أمام سياسات تضيق على المواطن، مثل ملاحقة الهواتف المحمولة بذريعة الجمركة، أو التعويل المبالغ فيه على تصدير المواشي وكأنها المنقذ الوحيد للاقتصاد.
ليس في ذلك تقليل من أهمية أي مورد اقتصادي، فالمواشي ثروة وطنية مهمة، لكن اختزال أزمة اقتصاد بلد كامل في إجراءات محدودة تمس المواطن أكثر مما تمس مكامن الخلل الحقيقية يطرح تساؤلات مشروعة.

إن ما تحتاجه البلاد اليوم ليس المزيد من الجبايات الصغيرة، بل مراجعة جادة لكيفية إدارة ثرواتها الكبيرة، وترسيخ مبادئ الحكامة الرشيدة والشفافية، حتى تتحول تلك الموارد إلى تنمية حقيقية وعدالة اجتماعية.

فإذا كانت ثروات الحديد والذهب والسمك والغاز، وقروض المؤسسات الدولية، وهبات الدول الصديقة، لم تُحدث التحول المنشود…

فهل يُعقل أن يكون الأمل اليوم معلقاً على جمركة هواتف المواطنين وتصدير المواشي؟

الكاتب الاعلامى: سيد أحمد سيدى الكرومى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى