موريتانيا بين استفزازات الجوار ورهان الحكمة الاستراتيجية

تشهد المنطقة المغاربية والساحل في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوترات، في ظل مؤشرات توحي بأن السلطة العسكرية في مالي ماضية في نهج تصعيدي تجاه موريتانيا، عبر سلسلة من التحركات والاستفزازات التي تثير تساؤلات عميقة حول خلفياتها وأهدافها.
ويبدو أن هذه السياسة لا تنفصل عن حسابات داخلية وخارجية معقدة، قد يكون من بينها السعي إلى تصدير الأزمات أو إعادة تشكيل توازنات النفوذ في الإقليم.

وفي هذا السياق، يُطرح احتمال وجود أطراف خارجية تدفع أو تشجع هذا المسار التصعيدي، في إطار صراع أوسع على النفوذ في منطقة الساحل، التي أصبحت مسرحًا مفتوحًا لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية.

كما أن تعثر المشروع الطموح – بل وغير الواقعي – لإيجاد منفذ بحري عبر نهر السنغال، والذي يظل مرهونًا بموافقة موريتانيا، قد شكّل عامل ضغط إضافي، أسهم في زيادة التوتر ودفع القيادة المالية نحو خيارات أكثر حدة.

غير أن ما يثير القلق داخليًا، هو عدم استيعاب بعض المواطنين لحجم المخاطر المحدقة، حيث لا يزال البعض يُقدم على دخول الأراضي المالية رغم التحذيرات الرسمية. وفي ظل هشاشة الوضع الأمني وتعقيده، فإن مثل هذه التصرفات قد تعرّض أصحابها لمخاطر جسيمة، خاصة مع تنامي نشاط الجماعات المسلحة وتراجع مستوى الاستقرار في بعض المناطق الحدودية.

ولا شك أن خيار الحرب، خصوصًا مع دولة مثل مالي، ليس قرارًا يمكن اتخاذه بخفة أو اندفاع، لما يحمله من تبعات ثقيلة تتجاوز الميدان العسكري إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة. فالحروب لا تُقاس ببداياتها، بل بمآلاتها، وغالبًا ما يكون المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة لها.

في المقابل، تبرز مقاربة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائمة على التهدئة وضبط النفس كخيار استراتيجي واعٍ، يعكس قراءة دقيقة لمجمل التحديات. فهذه المقاربة تنطلق من إدراك عميق بأن الاستقرار الداخلي يمثل حجر الأساس لأي مشروع وطني، وأن الحفاظ عليه أولى من الانخراط في صراعات مفتوحة تستنزف الموارد وتُضعف الجبهة الداخلية.

كما تعكس هذه السياسة وعيًا بحساسية الوضع الإقليمي، حيث يمكن لأي تصعيد غير محسوب أن يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة مزمنة. وإلى جانب ذلك، تحرص موريتانيا على ترسيخ صورتها كدولة مسؤولة، تلتزم بالحلول الدبلوماسية وتُفضّل ضبط النفس في مواجهة الاستفزازات، دون أن يعني ذلك التفريط في السيادة أو التهاون في حماية المصالح الوطنية.

إن الرد الحكيم لا يُعد ضعفًا، بل هو تعبير عن قوة في إدارة الأزمات، وقدرة على تغليب المصلحة العليا على ردود الفعل الانفعالية. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل أيضًا بقدرتها على تجنبها حين تكون كلفتها باهظة.

في ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان الأكبر على وعي المواطن، ومدى التزامه بتوجيهات الدولة، خاصة في مثل هذه الظروف الدقيقة. فالتماسك الداخلي والانضباط المجتمعي يشكلان خط الدفاع الأول، ويُسهمان في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات دون الانزلاق إلى مسارات غير محسوبة.

إن موريتانيا، وهي تقف على مفترق طرق إقليمي معقد، تُقدّم نموذجًا في التعقل السياسي، يوازن بين حماية السيادة الوطنية وتفادي الانجرار إلى صراعات مفتوحة، واضعةً بذلك مصلحة شعبها واستقرارها فوق كل اعتبار.

الكاتب الإعلامي: سيد أحمد سيدى الكرومى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى