شاحنة من ذاكرة نواذيبو.. حين كانت تحمل الرجال والأحلام

 

 

شاحنة من ذاكرة أنواذيبو… حين كانت تحمل الرجال والأحلام

 

[بقلم عبد الباقي العربي باحث مهتم بتاريخ نواذيبو ]

 

في مدينة أنواذيبو، لا تصنع الذاكرة المباني وحدها، ولا الشوارع ولا الموانئ، بل تصنعها أيضاً التفاصيل الصغيرة التي عاشت مع الناس وأصبحت جزءاً من وجدانهم. ومن بين تلك التفاصيل، تقف تلك الشاحنة القديمة التي ارتبطت بسنوات طويلة من حياة المدينة، حتى غدت رمزاً من رموزها الشعبية التي لا تزال حاضرة في ذاكرة جيل كامل.

 

جيلنا، الذي ترعرع بين أحياء أنواذيبو، لا يمكنه أن ينسى تلك الشاحنة التابعة لشركة ماني بور، والتي كانت تنطلق كل صباح من حي المتفجرات، لتجمع عمال الحمالة المصطفين على جنبات الطريق، قبل أن تمضي بهم نحو ميناء أنواذيبو المستقل، حيث يبدأ يوم جديد من الكد والتعب والعمل الشريف.

 

لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت شاهدة على رحلة يومية لرجال خرجوا باكراً يحملون هموم أسرهم وآمال أبنائهم. كانوا آباءً بسطاء، يواجهون قسوة العمل وقساوة البحر، ويعودون في المساء بعرق الجبين، وقد أدوا واجبهم بكل إخلاص. كانوا من أولئك الرجال الذين حملوا الوطن على أكتافهم، وأسهموا بصمت في بناء اقتصاده ونهضته.

 

ولم تقتصر حكاية الشاحنة على العمال وحدهم، فقد كانت أيضاً ملاذاً لكثير من التلاميذ والشباب الذين لم يكن بمقدورهم دفع أجرة سيارة أجرة أو حافلة. كم من طالب ركبها خلسة ليصل إلى وجهته، وكم من شاب وجد فيها فرصة لتخفيف مشقة الطريق، في زمن كانت فيه البساطة عنوان الحياة، وكانت روح التضامن حاضرة بين أبناء المدينة.

 

أما نحن، أطفال ذلك الزمن، فكانت الشاحنة بالنسبة إلينا مغامرة لا تُنسى. ما إن نراها تقترب حتى نتسابق نحوها، نحاول التعلق بمؤخرتها أو القفز إليها ونحن نضحك غير مدركين حجم الخطر. لكن عند الباب كان يقف ذلك الوالد الصارم، يحمل عصاه الغليظة، يزجرنا ويمنعنا من الركوب، ليس قسوةً، بل خوفاً علينا وحرصاً على سلامتنا. يومها كنا نراه شديداً، أما اليوم فنستحضر صورته بكل امتنان، بعدما أدركنا أن خلف تلك الصرامة قلباً يخشى على أطفال الحي.

 

إنها ليست مجرد شاحنة صدئة طواها الزمن، بل صفحة مضيئة من تاريخ أنواذيبو الاجتماعي، وقطعة أصيلة من ذاكرة المدينة. فهي تروي قصة العمال البسطاء، وتحكي عن قيم الكفاح والتضامن، وتعيد إلى الأذهان زمناً كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر دفئاً، وكانت تفاصيل الحياة اليومية تصنع ذكريات لا تمحوها السنوات.

 

خرجت الشاحنة من الخدمة ، وربما اندثرت معالم كثيرة من ذلك الزمن، لكن صورتها ستظل راسخة في وجدان أبناء أنواذيبو، شاهدة على مرحلة جميلة من تاريخ المدينة، وعلى رجال صنعوا الحياة بعرقهم، وأطفال كبروا وهم يحملون في قلوبهم حنيناً لا ينتهي إلى مدينة كانت بسيطة… لكنها كانت مليئة بالحكايات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى