حرائق المنشآت الكهربائية في موريتانيا… من المسؤول عن الخلل؟ ومن ينصف شركة CTM؟

لم تعد الحرائق المتكررة التي شهدتها بعض المنشآت الكهربائية في بلادنا مجرد حوادث فنية منفصلة، بل أصبحت تفرض ضرورة مراجعة شاملة لمنظومة الكهرباء، والبحث بجدية ومسؤولية عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الاختلالات، بعيداً عن الأحكام المسبقة وتحميل المسؤولية لطرف دون أدلة فنية قاطعة.
فبعد الحريقين اللذين تعرضت لهما محطتا تحويل الكهرباء في توجنين وتفرغ زينة يومي 21 و22 أغسطس 2026، وما ترتب عليهما من اضطرابات وانقطاعات في خدمة الكهرباء، اتجهت أصابع الاتهام إلى شركة CTM، عقب صدور ملخص نتائج لجنة التحقيق، لتجد الشركة نفسها أمام اتهامات خطيرة مست سمعتها ومكانتها المهنية، وألحقت بها أضراراً معنوية ومادية لا يمكن الاستهانة بها.
واليوم، يأتي الحريق الذي اندلع في أحد أعمدة التوليد الكهربائي الكبيرة بمنطقة الصويصية في نواذيبو، بعد تسجيل حرائق أخرى في بعض المحطات الصغيرة بأحياء العاصمة نواكشوط خلال الأيام الماضية، ليعيد طرح السؤال الجوهري: هل جرى البحث فعلاً عن الأسباب الحقيقية لهذه الحوادث، أم أن التحقيق السابق اكتفى بفرضية تحميل الكابلات مسؤولية ما حدث؟
وتزداد أهمية حادثة الصويصية بالنظر إلى المعطيات المتعلقة بعمر المعدات والتجهيزات المستخدمة في المنشأة، والتي يُقال إنها تعود إلى سنة 2017، ولم يتم تزويدها منذ ذلك التاريخ بمعدات جديدة. وهي معطيات تستوجب التحقق والفحص الفني، خصوصاً فيما يتعلق بحالة التجهيزات، ومستوى صيانتها، وقدرتها على تحمل الأحمال الكهربائية، وكفاءة أنظمة الحماية والتحكم.
إن تكرار الحرائق في منشآت ومكونات كهربائية مختلفة، وفي مواقع جغرافية متباعدة، يفرض توسيع دائرة البحث، ودراسة احتمال وجود اختلالات مشتركة تتعلق بالتيار الكهربائي أو أنظمة التوزيع والتحويل والتوليد، بدلاً من حصر المسؤولية في الكابلات وحدها.
أما شركة CTM، فإن من أبسط حقوقها أن تُعامل بالإنصاف الذي تستحقه أي مؤسسة تعمل في إطار تعاقدي رسمي مع مؤسسات الدولة.
فالشركة لم تكتف بالدفاع عن نفسها من خلال تصريحات عامة، بل قدمت رواية مفصلة لمسار الصفقة، مدعومة بما قالت إنه وثائق اعتماد المورد والمواصفات الفنية، ومحاضر اختبارات المصنع، وإجراءات الاستلام، والاختبارات الميدانية، فضلاً عن مراسلات سابقة مع صوملك بشأن الملاحظات الفنية المتعلقة بالخلايا الكهربائية القائمة قبل وقوع الحريقين.
وهذه التفاصيل لا يجوز تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها مجرد مبررات من شركة تحاول التنصل من المسؤولية، بل ينبغي وضعها أمام خبراء مستقلين لمقارنتها بتقارير لجنة التحقيق والوثائق الموجودة لدى صوملك، وصولاً إلى حقيقة لا تقبل التأويل.
ومن المؤلم أن تتحمل مؤسسة وطنية تبعات اتهامات بهذا الحجم، وأن تتعرض سمعتها المهنية للضرر، وأن تجد نفسها في موقف دفاع مستمر أمام شركائها والمتعاملين معها، وما قد يرافق ذلك من خسائر مالية وتبعات نفسية ومعنوية، في وقت لا تزال فيه الأسباب الفنية الكاملة لهذه الحوادث بحاجة إلى توضيح وحسم.
إننا لا ندافع عن شركة لمجرد أنها شركة، ولا نبحث عن إعفاء أي طرف من مسؤوليته، وإنما ندافع عن مبدأ العدالة، وعن ضرورة الفصل بين المسؤوليات التعاقدية والفنية، وعن حق كل مؤسسة في ألا تُدان إلا بأدلة واضحة ونتائج تحقيق مكتمل.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو:
* فتح تحقيق فني مستقل وشامل في جميع الحرائق الأخيرة، بما فيها حادثة الصويصية والمحطات التي شهدت حرائق في نواكشوط.
* فحص المعدات والتجهيزات القديمة، ولا سيما تلك التي يعود تاريخ استخدامها إلى سنة 2017، وتقييم مستوى صيانتها وصلاحيتها.
* مراجعة أنظمة التوليد والتحويل والتوزيع والحماية، والتحقق من طبيعة التيار الكهربائي والأحمال ومدى توافقها مع قدرة التجهيزات.
* إعادة تقييم نتائج التحقيق السابق على ضوء المستجدات والوثائق الفنية التي قدمتها شركة CTM.
* رد الاعتبار للشركة والاعتذار إليها وتعويضها عن الأضرار المعنوية والمادية، إذا أثبت التحقيق المستقل عدم مسؤوليتها.
إن قطاع الكهرباء مرفق حيوي لا يحتمل المعالجات المؤقتة ولا التحقيقات الناقصة، فالمطلوب ليس فقط إطفاء الحرائق وإعادة التيار، بل منع تكرارها ومعالجة جذور الخلل وحماية الاستثمارات والممتلكات وضمان استمرارية الخدمة للمواطنين.
وفي الختام، فإننا نؤكد أن العدالة لا تتحقق بإدانة طرف، وإنما بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات بكل شجاعة وشفافية.
فإذا كانت شركة CTM مسؤولة، فلتتحمل مسؤوليتها وفق الأدلة، وإذا كانت قد ظُلمت، فإن الاعتذار إليها ورد اعتبارها وتعويضها واجب لا ينبغي التردد فيه.
لا يجوز أن تتحول مؤسسة وطنية إلى كبش فداء لأخطاء قد تكون في موضع آخر؛ فالمصلحة الوطنية تقتضي أن نبحث عن الخلل الحقيقي، وأن ننصف كل من ثبت أنه تعرض للظلم.
بدبد ولد اعل ولد باب



