بين الضرائب والأسعار .. المواطن يدفع الثمن

“بين الضرائب والأسعار… المواطن يدفع الثمن.

بقلم : الإعلامي محمد سوله

في ظل تصاعد تكاليف المعيشة وتذبذب الدخل، باتت مسألة الضرائب في صدارة انشغالات المواطن، ليس باعتبارها واجبًا وطنيًا فحسب، بل كعامل يومي يضغط على قدرته على تلبية أبسط احتياجاته. فحين تتكاثر الضرائب والرسوم، يتحول العبء من أرقام في دفاتر الدولة إلى واقع ثقيل في جيوب الناس.

الضرائب، بمختلف أشكالها المباشرة وغير المباشرة، تُعدّ من أهم أدوات تمويل الخزينة العامة. غير أن توسّعها غير المدروس ينعكس مباشرة على الأسعار، حيث يلجأ التجار والمنتجون إلى تحميل الكلفة الضريبية للمستهلك النهائي. وهكذا، يدفع المواطن ثمنًا مضاعفًا: ضرائب أعلى وأسعار أغلى، دون أن يقابل ذلك تحسن موازٍ في الأجور أو مستوى الدخل.

وتبلغ الأزمة ذروتها عندما تشمل الضرائب السلع والخدمات الأساسية. فالمواد التي لا غنى عنها في حياة الأسر تتحول إلى مصدر استنزاف دائم للدخل، ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية، وانكماش هامش الادخار، بل واضطرار بعض الأسر إلى تقليص استهلاكها من الضروريات قبل الكماليات.

اقتصاديًا، لا يتوقف الأثر عند حدود المواطن الفرد، بل يمتد إلى الدورة الاقتصادية ككل. ضعف القوة الشرائية يعني تراجع الطلب، وانكماش الاستهلاك، وهو ما ينعكس سلبًا على النشاط التجاري والاستثماري. كما قد يدفع الضغط الضريبي المفرط بعض الفاعلين إلى التهرب أو اللجوء إلى الاقتصاد غير المصنف، ما يحرم الدولة من موارد كانت تُحصّل بطرق أكثر عدالة وفعالية.

في المقابل، لا يختلف اثنان على أن الضرائب ضرورة لبناء الدولة وتمويل الخدمات العمومية. غير أن الإشكال الجوهري يكمن في العدالة الضريبية ونجاعة التسيير. فالمواطن يقبل الضريبة حين يشعر أن ما يدفعه يعود عليه تعليمًا وصحة وبنية تحتية وخدمات تحترم كرامته. أما حين تغيب هذه المعادلة، تتحول الضريبة من مساهمة وطنية إلى عبء اجتماعي.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في رفع الضرائب، بل في إعادة هيكلتها، وتوسيع الوعاء الضريبي دون إنهاك نفس الفئات، مع حماية المواد الأساسية، وربط السياسة الضريبية برؤية اجتماعية واضحة تحافظ على القوة الشرائية وتدعم الاستقرار الاقتصادي.

ففي نهاية المطاف، اقتصاد بلا مستهلك قادر على الشراء، هو اقتصاد يسير بخطى بطيئة، ومجتمع تُستنزف قوته الشرائية، مجتمع مهدد بتفاقم الفوارق وتآكل الثقة بين المواطن والدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى