اين تذهب ثروات موريتانيا؟

#تدوينات

أين تذهب ثروات موريتانيا ؟

في بلدٍ لا يتجاوز عدد سكانه بضعة ملايين، ويملك من الثروات ما تملكه دول قارة كاملة، يزداد اليوم شعور المواطن البسيط بأن ميزان العدالة يميل ضده بشكل واضح.
فبينما تتحدث الأرقام عن مليارات تُجنى من الحديد والذهب والسمك، وعن طفرة غازية تُبشَّر بها الأجيال، نجد في الواقع مسارًا آخر يتشكل: مسارًا يقوم على توسيع الضرائب والرسوم على الفئات الأضعف بدل توجيه الجهد نحو تعظيم عائدات الثروات الوطنية.

لقد شهدنا في الفترة الأخيرة زيادات متتالية طالت التطبيقات البنكية، وبورص السيارات، وتجارة الهواتف التي يعتمد عليها آلاف الشباب كمصدر رزق بعد أن ضاقت فرص التشغيل. حتى أصبح من المفارقة أن الشاب الذي يهرب من البطالة بإنشاء عمل صغير لنفسه، يجد نفسه محاصرًا بالرسوم والجبايات من كل اتجاه.

إن الإشكال لم يعد في مبدأ الضريبة ذاته، فالجميع يدرك أن الدولة تحتاج موارد. لكن الإشكال الحقيقي هو في العدالة الضريبية: هل يُعقل أن يُطلب المزيد من المواطن البسيط في وقتٍ تتضاعف فيه عائدات الموارد الطبيعية؟ وهل من المنطقي أن يُضغط على صغار التجار بدل إصلاح منظومة تحصيل الثروات الكبرى وتوجيهها نحو خلق فرص العمل؟
إن الشعور العام اليوم ليس رفضًا للدولة، بل مطالبة بدولة عادلة: دولة تُخفف العبء عن الفئات الهشة، وتُظهر بوضوح أين تذهب عائدات الثروات الوطنية، وتحوّلها إلى مشاريع ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فالثروة الحقيقية لأي بلد ليست في ما يخرج من باطن الأرض، بل في ما يصل إلى حياة الناس ويدعم رفاههم اليومي ومستوى معيشتهم.

وإذا كانت الدولة اليوم تراهن على توسيع الجباية باعتبارها طريقًا سريعًا لزيادة الإيرادات، فإن التجارب الاقتصادية تُثبت أن الضغط المفرط على صغار الفاعلين في السوق لا يبني اقتصادًا قويًا، بل يضعفه ويدفع النشاط نحو الركود أو العمل خارج المنظومة الرسمية.

فالأسواق الصغيرة، ومحلات الهواتف، وبورص السيارات، والتجارة البسيطة، ليست مجرد أنشطة هامشية كما يظن البعض، بل هي صمام الأمان الاجتماعي الذي يستوعب آلاف الشباب الذين لم يجدوا مكانًا لهم في الوظيفة العمومية ولا في الشركات الكبرى. وعندما تُثقل هذه الفئة بالضرائب المتزايدة، فإننا لا نضغط على أرقامٍ في دفاتر، بل على لقمة عيش أسر كاملة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو سؤال الشفافية والأولويات: لماذا يشعر المواطن بأن الجباية تتوسع أسرع من التنمية؟ ولماذا لا يرى انعكاسًا واضحًا للطفرة المعدنية والغازية في فرص العمل والخدمات الأساسية؟
إن العدالة الاقتصادية لا تعني فقط جمع الموارد، بل تعني قبل ذلك حسن توزيعها، وتوجيهها نحو ما يخلق الوظائف ويخفف الفوارق ويحمي الاستقرار الاجتماعي.
فالدول لا تقوى بكثرة الضرائب، بل بثقة مواطنيها. وهذه الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة تقف إلى جانبه، لا فوق كاهله.

عبدي /لمام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى