من خطاب الشارع إلى منطق التبرير ( تحولات الموقف السياسي في موريتانيا)

#تدوينات

من خطاب الشارع إلى منطق التبرير: تحولات الموقف السياسي في موريتانيا.

في موريتانيا، لم يعد المواطن يستغرب تبدّل الخطاب السياسي بقدر ما بات يحفظ توقيته. فمعارضو الأمس، الذين شغلوا الساحات والبرامج والبيانات بشجب الأوضاع والتنديد بسوء التسيير وغلاء المعيشة، يظهرون اليوم بوجه جديد، يتحدث بلغة التهدئة، ويدافع عن “الظرفية”، ويطالب بالصبر، ويُكثر من عبارات التثمين والإشادة.

المشهد مألوف: حين كانت القرارات تمس القدرة الشرائية، كانت تُوصَف بالفشل، وحين استمرت بنفس الأثر، أصبحت تُبرَّر بأنها “إصلاحات ضرورية”. وحين كان التعيين يُقرأ باعتباره محاباة، صار اليوم “اختيارًا وطنيًا موفقًا”. لم تتغير السياسات كثيرًا، لكن الذي تغيّر هو موقع المتحدث منها.
في ملفات اجتماعية حساسة—من الأسعار، إلى الخدمات، إلى تسيير المؤسسات العمومية—لاحظ المواطن أن أصواتًا كانت تتصدر النقد، اختفت أو خففت نبرتها، بينما انتقلت من المطالبة بالمحاسبة إلى شرح الأسباب، ومن الدفاع عن المتضررين إلى الدفاع عن القرار نفسه. لا أحد ينكر تعقيد المرحلة، لكن السؤال يبقى: لماذا لم تكن هذه التعقيدات تُذكر حين كان النقد في ذروته؟

اللافت أن هذا التحول لا يأتي دائمًا بتبرير صريح، بل غالبًا عبر خطاب ناعم، يختبئ خلف عبارات مثل “المصلحة العامة”، و“الواقعية السياسية”، و“إعطاء الفرصة”. وهي عبارات مشروعة في ذاتها، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تُستخدم فقط لتبرير ما كان مرفوضًا بالأمس، دون أي تغيير ملموس في الواقع.

في المقابل، يبقى المواطن الحلقة الأضعف. هو نفسه الذي طُلب منه النزول للاحتجاج، وهو نفسه الذي يُطلب منه اليوم التفهم والصمت. تُستَحضَر معاناته عند الحاجة إلى الضغط السياسي، وتُنسى حين تُعاد صياغة التحالفات وتُرتَّب الأولويات.

هذا السلوك لا يسيء فقط إلى صورة الفاعلين السياسيين، بل يرسخ ثقافة فقدان الثقة، ويُعمّق شعور الشارع بأن السياسة ليست مجالًا لخدمة الصالح العام، بل مساحة لتدوير المواقف حسب اتجاه الريح ، ومع كل تجربة من هذا النوع، يتراجع الإيمان بالخطاب المعارض، حتى حين يكون محقًا.

إن موريتانيا اليوم في حاجة إلى سياسة أكثر اتساقًا، لا تُخاصم النقد حين تكون في السلطة، ولا تُساوم على المواطن حين تقترب من القرار ، سياسة تعترف بالأخطاء بدل تبريرها، وتُبقي الانحياز للمواطن ثابتًا، لا شعارًا ظرفيًا.

فالدول لا تُقاس بكثرة الخطابات، بل بصدق المواقف، ولا تُبنى بتبدّل المواقع، بل بثبات المبادئ… والمبدأ الذي لا يصمد عند أول اختبار، لا يصلح ليكون أساسًا لثقة شعب أنهكته التحولات.

الإعلامي محمد سوله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى