ضرورة التضامن الوطني ونبذ المزايدات السياسية

ضرورة التضامن الوطني ونبذ المزايدات السياسية.

في ظل الأوضاع الاقتصادية الدولية الصعبة، وما يشهده العالم من ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة وتفاقم أزمة التمويلات وتباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم، باتت الحكومات عبر العالم مضطرة الي تبني إجراءات ترشيدية وتقشفية لحماية اقتصاداتها والحفاظ على التوازنات المالية. وموريتانيا ليست بمنأى عن هذه التحولات الدولية التي تفرض واقعا اقتصاديا جديدا يتطلب المسؤولية والتضامن الوطني بدل المزايدات السياسية والبحث عن المكاسب الظرفية.

وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة بتوجيهات من صاحب الفخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني اعتماد حزمة إجراءات تقشفية، من بينها مراجعة أسعار المحروقات، لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مؤكدة أن الوضع الدولي يفرض علينا الاستعداد لمرحلة اقتصادية صعبة.
ولقد تجاوز سعر برميل النفط حاجز 115 دولاراً مقابل 60 دولاراً إبان تقديرات الميزانية الحالية، ما يضغط على قدرات التمويل ويؤثر على تنفيذ البرنامج الحكومي. وقد اتخذت عدة دول إفريقية تدابير مشابهة، مثل خفض الإنفاق العمومي و تقييد استخدام السيارات الفاخرة و تعطيل بعض الأسفار الخارجية وإجراءات للحد من استهلاك الطاقة، في ظل توقعات بتراجع النمو وارتفاع التضخم في القارة.
إن هذه الإجراءات ليست استثناءً ولا خياراً سياسياً ضيقاً، بل هي جزء من سياسات اقتصادية انتهجتها دول كثيرة في العالم لمواجهة الأزمات الدولية، وهو ما يدل على أن ما تقوم به الحكومة يدخل في إطار الحكامة الرشيدة والتسيير المسؤول، لا في إطار التضييق كما يحاول البعض تصويره.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى الخروج إلى الشارع في هذا الظرف بالذات، وفي خضم أزمة اقتصادية عالمية، لا يمكن فهمها إلا باعتبارها خروجاً عن السياق الوطني والدولي، ومحاولة لعرقلة إصلاحات ضرورية لحماية الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين على المدى القصير و المتوسط. فالدول لا تُسَيَّر بالشعارات ولا بالاحتجاجات، بل بالقرارات الصعبة أحياناً، والتي تتطلب شجاعة سياسية وتفهمًا وطنياً. فالاحتجاج في فترات الأزمات الاقتصادية الحادة لا يضر الحكومة بقدر ما يضر بصورة البلد واستقراره وثقة الشركاء والمستثمرين، وهو ما قد تكون له انعكاسات أخطر من الإجراءات نفسها.

كما أن من المفارقة أن تقود هذه الدعوات أحزاب لا تمثل وزناً شعبياً حقيقياً ولم تقدم برامج اقتصادية واقعية بديلة، ومع ذلك تنصب نفسها حَكَماً على سياسات الإصلاح والترشيد، وتصف كل إجراء صعب بالفشل دون أن تقدم حلاً واحداً قابلاً للتطبيق. والسؤال المطروح بوضوح هو: كيف لمعارضة لم تستوعب بعد سبل حماية البلد وامتصاص الصدمات الاقتصادية أن تكون لها أهلية النقد، بغض النظر عن أهلية الحكم؟

إن المرحلة تتطلب وعياً وطنياً عالياً ومسؤولية سياسية وتغليب مصلحة البلد على الحسابات السياسية الضيقة، لأن استقرار الدول في فترات الأزمات الاقتصادية أهم من الصراعات السياسية، ولأن الدول لا تُسَيَّر بالشعارات ولا بالمزايدات، بل بالقرارات الصعبة أحياناً، وبالانضباط الوطني والتضامن بين الدولة والمجتمع.

وفي النهاية، فإن التاريخ لا يتذكر من عارض من أجل المعارضة، ولا من استغل الأزمات لتأجيج الشارع، بل يتذكر من تحمل المسؤولية في الأوقات الصعبة واتخذ القرارات اللازمة لحماية وطنه وصبر على الضغوط من أجل المصلحة العامة. وهنيئاً لنا ولبلدنا بقيادة واعية وحكومة تسعى إلى تحصين الاقتصاد الوطني ومواجهة الأزمات العالمية.

النائب دداهي الغيلاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى