وفاءً لرجل الدولة والمحامي الأستاذ شيخن ولد احبيب ولد عبد الله بقلم ” بسمة الحافظ أبك “

#تدوينات :

وفاءً لرجل الدولة والمحامي الأستاذ شيخن ولد احبيب ولد عبد الله.

يُعد الأستاذ المحامي شيخن ولد احبيب ولد عبد الله واحدًا من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم ببناء الدولة الموريتانية الحديثة، والدفاع عن قيم العدالة والحرية وسيادة القانون. فقد جمع في مسيرته بين القضاء والمحاماة والعمل الوطني والاجتماعي، وظل طوال حياته منحازًا للحق مهما كانت التضحيات.

 

وُلد في أربعينيات القرن الماضي بقرية أركز التابعة لبلدية المبروك بمقاطعة تامشكط، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة تامشكط خلال فترة الاستعمار، حيث حصل على شهادة الدروس الابتدائية. بدأ حياته المهنية معلّمًا، ثم واصل تحصيله العلمي بالتوازي مع العمل حتى نال البكالوريا المهنية من معهد جامعي في داكار.

 

كانت رحلته العلمية حافلة؛ إذ حصل على منحة إلى كندا قبل أن يعود بسبب عائق اللغة، ثم نال منحة أخرى إلى الجزائر ضمن أوائل المستفيدين من التعاون التعليمي بين البلدين. هناك درس القانون وتلقى تكوينًا متخصصًا في المرافعات، كما تدرب في الجزائر وفرنسا أمام مختلف درجات المحاكم.

وعلى الرغم من توفر فرص مهنية واعدة خارج الوطن، اختار العودة إلى موريتانيا إيمانًا منه بأن خدمة بلده واجب لا يُؤجَّل. وقد تجلت هذه الروح الوطنية في مواقف عديدة، من أبرزها رفضه التوقيع على اتفاقية رأى أنها لا تخدم المصالح العليا للبلاد أثناء رئاسته لوفد التفاوض حول الإطار القانوني لمنظمة استثمار نهر السنغال، مفضّلًا الاستقالة على أن يتحمل مسؤولية تاريخية لا يقتنع بها.

في سلك القضاء، عُرف باستقلاليته الصارمة ونزاهته التي لا تساوم. مارس مهامه قاضيًا للتحقيق في عدة ولايات، وظل حريصًا على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو اعتبار للنفوذ والسلطة. وكانت استقالته من منصب مستشار لوزير العدل تعبيرًا آخر عن تمسكه بقناعاته واستقلال قراره.

وفي عام 1974 أسس أول مكتب للمحاماة في موريتانيا بعد حصوله على ترخيص رسمي، مساهمًا بذلك في وضع اللبنات الأولى لمهنة المحاماة الوطنية. ومنذ ذلك الحين سخّر جهده للدفاع عن المظلومين والضعفاء، وتولى قضايا سياسية ووطنية بارزة، متحمّلًا ما ترتب على ذلك من ضغوط ومضايقات بسبب مواقفه المستقلة.

ومن بين مواقفه الوطنية الأكثر جرأة موقفه الرافض لحرب الصحراء الغربية، انطلاقًا من قناعته بعدم شرعيتها وعدم خدمتها للمصلحة الوطنية. ولم يتردد في الدفاع عن الصحراويين أمام المحاكم رغم حساسية الظرف السياسي آنذاك، متحمّلًا ما جرّه عليه ذلك من تضييق وظلم من الأنظمة المتعاقبة. غير أن تلك الضغوط لم تُثنه عن مبادئه، فظل ثابتًا على نهجه في نصرة المظلوم والدفاع عن الحق دون خوف أو مساومة.

كما كان صاحب رؤية اجتماعية إصلاحية، قاد جهودًا كبيرة في الحوض الغربي وآفله، حيث ساهم في نشر ثقافة التعليم والاستقرار، ومحاربة الممارسات الاجتماعية السلبية، وإنشاء السدود والتعاونيات الزراعية والمدارس الريفية التي تخرج منها العديد من الكفاءات الوطنية التي تخدم الدولة اليوم في مختلف المجالات.

ولم يقتصر عطاؤه على ذلك، بل شارك في تكوين أجيال من الأطر الوطنية من خلال التدريس بالمدرسة الوطنية للإدارة في مجالات القضاء والإدارة والاقتصاد والمالية والجمركة والتسيير، مساهمًا في بناء القدرات البشرية للدولة الناشئة.

سياسيًا، انتُخب نائبًا برلمانيًا عن لائحة مستقلة، وظل صوتًا حرًا يدافع عن المصلحة الوطنية ويرفض القوانين التي لا تخدم الوطن، مؤمنًا بأن المسؤولية العامة أمانة قبل أن تكون منصبًا.

وفي سنواته الأخيرة، تفرغ لشؤونه الدينية بعد أن رأى تراجعًا في استقلالية القضاء الذي ظل يدافع عنه طوال حياته. ورغم أن التكريم الرسمي لم يكن بحجم عطائه، فإن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة كل من عرفه أو عايش مواقفه.

لقد كان الأستاذ شيخن ولد احبيب ولد عبد الله رجل دولة بالمعنى النبيل للكلمة، ومحاميًا للعدالة قبل أن يكون محاميًا للمرافعات، ومواطنًا جعل خدمة الوطن والدفاع عن المظلومين منهجًا ثابتًا لا يتغير. وتبقى سيرته شاهدًا على أن الأوطان تُبنى بأمثال هؤلاء الرجال الذين يضعون المبادئ فوق المصالح، والحق فوق كل اعتبار.

بسمة الحافظ ابك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى