كرفور حليمة .. ملتقى الطرق الذي اختصر ذاكرة نواذيبو

#تدوينات

 

كرفور حليمة… ملتقى الطرق الذي اختصر ذاكرة نواذيبو

 

[بقلم عبد الباقي العربي باحث مهتم بتاريخ أنواذيبو ]

 

في مدنٍ كثيرة توجد مفترقات طرق، لكن بعضها يتجاوز وظيفته المرورية ليصبح جزءًا من ذاكرة الناس وحكاياتهم. ومن بين تلك الأماكن التي حفرت اسمها في وجدان سكان نواذيبو، يبرز كرفور حليمة، أحد أشهر ملتقيات الطرق في المدينة الساحلية، والواقع على شارع Boulevard Médian، حيث كانت الحياة تنبض منذ ساعات الصباح الأولى وحتى وقت متأخر من المساء.

 

تكشف الصورة القديمة عن مشهد تختلط فيه ملامح المدينة بذكريات أهلها؛ فهناك مبنى القنصلية الإسبانية، والمركز الصحي الخاص بالبحارة الإسبان، اللذان يرويان جانبًا من تاريخ العلاقة التي ربطت نواذيبو بالبحر وبإسبانيا. وبالقرب منهما تقف صيدلية التيسير وصيدلية الشعب، بينما كانت مغسلة كالاكسي جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية التي اعتادها سكان الحي.

ولم تكن المباني وحدها تصنع هوية المكان، بل كانت البيوت أيضًا شواهد على مرحلة كاملة من تاريخ المدينة؛ منازل أهل اصنيبة، وأهل بكار، واحميدة ولد بشراي، وأهل الغلاوي، وأهل الحسن، وأهل ولاد ولد عبدهم، جميعها كانت تشكل نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا، يعرف فيه الجار جاره، وتجمع بين سكانه علاقات الألفة والمودة.

كان كرفور حليمة قلبًا نابضًا بالحركة. ففي الصباح، تتوافد أفواج التلاميذ، فمنهم من يقصد مدارس حي كانصادو، ومنهم من يتجه نحو أحياء النيمروات، يحملون حقائبهم وأحلامهم الصغيرة، بينما كانت سيارات الأجرة تصطف في انتظار الركاب، لتربط مختلف أحياء المدينة ببعضها البعض.

وكان الملتقى أيضًا محطة رئيسية للقادمين من حي الغيران والمتجهين إلى باقي أحياء نواذيبو، حتى أصبح نقطة لا بد من المرور بها لكل من يعرف المدينة. هناك كانت الوجوه تتلاقى، وتبدأ الأحاديث، وتتبادل التحيات، قبل أن يواصل كل شخص طريقه.

وتحضر في الصورة سيارات ذلك الزمن الجميل؛ مرسيدس 240 التي ارتبطت بسيارات الأجرة، ورينو 12 التي كانت من أكثر السيارات انتشارًا، إلى جانب سيارة سوفاماغ العسكرية، فيما كان المارة يملؤون الأرصفة، فتبدو المدينة وكأنها تتحرك بإيقاع واحد، بسيط ودافئ.

ورغم مرور السنوات، فإن كرفور حليمة ما زال يحتفظ بكثير من ملامحه. فما زالت معظم المباني قائمة كما كانت، وإن تغيرت بعض التفاصيل؛ فقد تبدل الشكل الخارجي لمبنى القنصلية الإسبانية، وتحول منزل ولد أشريف إلى سوق «النقطة الساخنة». لكن روح المكان، بالنسبة لمن عاش تلك الأيام، لا تزال كما هي.

إن كرفور حليمة ليس مجرد ملتقى طرق، بل هو صفحة من تاريخ نواذيبو، ومسرح لآلاف الذكريات التي لا تزال تعيش في قلوب أبنائها. فكل زاوية فيه تروي قصة، وكل مبنى يحمل حكاية، وكل صورة قديمة تعيد إلينا زمنًا كانت فيه الحياة أبسط، والوجوه أكثر ألفة، والأماكن أكثر دفئًا.

هكذا يبقى كرفور حليمة شاهدًا على زمن لن يعود، لكنه سيظل حاضرًا في الذاكرة، كلما قلبنا صفحات صور نواذيبو القديمة، واشتقنا إلى تلك الأيام التي كانت المدينة فيها أسرةً واحدة، يجمعها المكان، وتحفظها الذكريات.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى