بين متطلبات الجباية وثقة الناس : تأملات في الرسوم على التحويلات المالية

#تدوينات
*بين متطلبات الجباية وثقة الناس: تأملات في الرسوم على التحويلات المالية*
أصبح الهاتف اليوم أقرب إلى محفظة صغيرة نحملها معنا أينما ذهبنا. بضغطة زر تُرسل الأم نفقة لابنها، ويحوّل العامل جزءًا من راتبه إلى أسرته، ويسدد شاب دينًا بسيطًا لصديق. هذه التفاصيل اليومية قد تبدو عادية، لكنها تعكس تحولًا عميقًا في طريقة تعاملنا مع المال، حيث لم تعد التحويلات البنكية مجرد خدمة تقنية، بل أصبحت جزءًا من حياة الناس ووسيلة لتنظيم شؤونهم.
وفي ظل هذا التحول، تجد الدول نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تُعزز مواردها المالية وتستجيب لحاجياتها المتزايدة، دون أن تُثقل كاهل المستخدمين أو تُضعف الثقة في الأدوات الرقمية التي بدأت تترسخ تدريجيًا؟ هنا يبدأ النقاش الاقتصادي الهادئ، بعيدًا عن لغة الاتهام أو الدفاع، وقريبًا من فهم الواقع كما هو.
من الناحية النظرية، يرى كثير من الاقتصاديين أن التحويل المالي في حد ذاته لا يعني خلق ثروة جديدة، بل هو غالبًا إعادة توزيع للمال داخل المجتمع. قد يكون مساعدة عائلية، أو تحويل راتب، أو تسوية التزام بسيط. لذلك يبقى السؤال مطروحًا حول طبيعة الرسوم المفروضة عليه، ليس من باب الرفض، بل من باب البحث عن توازن يحترم مبادئ العدالة الضريبية ويأخذ في الاعتبار متطلبات الدولة المالية.
لكن الحديث عن السياسات المالية لا يمكن أن ينفصل عن سياقها الواقعي. فالدول، خصوصًا تلك التي تسعى إلى تحسين مواردها بسرعة، قد تلجأ أحيانًا إلى أدوات يسهل تطبيقها وتحصيلها. وهذا أمر مفهوم في ظل التحديات الاقتصادية المتسارعة. وفي هذا الإطار، يُحسب للدولة أنها راعت جانبًا اجتماعيًا مهمًا من خلال الحفاظ على إعفاء التحويلات الصغيرة التي تقل عن 5000 أوقية جديدة، وهو توجه يعكس إدراكًا لواقع فئات واسعة تعتمد على التحويلات البسيطة في تسيير شؤونها اليومية.
ومن خلال متابعة النقاشات اليومية وردود فعل المستخدمين، يلاحظ أن سلوك الناس يتغير عندما يشعرون بأن كلفة التحويلات أصبحت مرتفعة. فبعضهم قد يفضل العودة إلى النقد، لا رفضًا للتطور، بل بحثًا عن الطريقة الأقل كلفة والأكثر بساطة. وهنا يظهر جانب إنساني مهم في النقاش: الناس لا تقاوم الإصلاحات عندما تفهم أهدافها وتشعر بعدالتها، لكنها تتردد عندما تتحول الخدمات التي اعتادت عليها إلى عبء إضافي في حياتها اليومية.
وفي علم الاقتصاد، نعرف أن العبء الحقيقي لأي رسم مالي لا يُقاس فقط بالجهة التي تُفرض عليها الضريبة قانونيًا، بل بالجهة التي تتحملها فعليًا في الواقع. وغالبًا ما يكون هذا العبء واقعًا على المستخدم البسيط الذي يعتمد على التحويلات لتسيير أموره الأساسية. لذلك يبقى التحدي هو إيجاد صيغة تضمن موارد الدولة، وفي الوقت نفسه تحافظ على الثقة في الوسائل الرقمية التي يُفترض أن تعزز الشمول المالي وتحد من الاقتصاد غير الرسمي.
لا يعني هذا الطرح رفض السياسات العامة أو التقليل من جهود الدولة، بل هو دعوة للتفكير في المسار الطويل. فالتحول الرقمي لا يقوم فقط على البنية التقنية، بل على ثقة الناس. وكلما شعر المستخدم أن الأدوات المالية تُسهّل حياته وتحترم واقعه، زادت رغبته في البقاء داخل المنظومة الرسمية، وهو ما يخدم الاقتصاد الوطني في نهاية المطاف.
فالتحدي الحقيقي ليس في جمع الإيرادات وحده، بل في الحفاظ على تلك الثقة الهادئة التي تجعل النظام المالي يعمل بسلاسة، ويجعل الإصلاح مقبولًا، ومستدامًا، وقريبًا من حياة الناس.
بقلم : د . محمد الطالب سيدي
دكتوراه في العلوم الإقتصادية



