من ذاكرة نواذيبو ” بوينتي كناريو ” السفينة التي كانت تحمل الخير إلى المدينة

من ذاكرة نواذيبو “بوينتي كناريو” السفينة التي كانت تحمل الخير إلى المدينة.

 

[بقلم عبد الباقي العربي باحث مهتم بتاريخ نواذيبو ]

 

لا يمكن الحديث عن تاريخ مدينة أنواذيبو في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي دون التوقف عند واحدة من أشهر السفن التي طبعت ذاكرة سكانها، وهي السفينة التجارية الإسبانية “بوينتي كناريو” (Puente Canario)، التي كانت تؤمن خطًا بحريًا منتظمًا بين لاس بالماس بجزر الكناري وميناء أنواذيبو المستقل.

 

دخلت السفينة هذا الخط البحري سنة 1984، وسرعان ما أصبحت أكثر من مجرد وسيلة لنقل البضائع، بل تحولت إلى رمز للحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة. فكلما اقترب موعد وصولها، بدأ التجار والسكان يترقبونها بشغف، لأنها كانت تحمل على متنها مختلف السلع التي يعتمد عليها أهالي أنواذيبو في حياتهم اليومية.

 

كانت “بوينتي كناريو” تزود المدينة بأنواع الخضروات والفواكه الطازجة، والألبان ومشتقاتها، والمواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى الملابس والأجهزة المنزلية وقطع غيار السيارات ومختلف البضائع التجارية القادمة من جزر الكناري وإسبانيا.

 

ولا شك أن معظم مواليد وسكان أنواذيبو في تلك الحقبة ما زالوا يتذكرون جيدًا صوت محركاتها وصفاراتها المميزة وهي تقترب من المياه الإقليمية للمدينة، معلنة وصولها بعد رحلة بحرية طويلة. كان ذلك الصوت كافيًا ليرسم البهجة على وجوه الناس، لأنه كان يعني أن المؤن والبضائع قد وصلت، وأن الأسواق ستنتعش من جديد.

 

ومع رسو السفينة في ميناء أنواذيبو المستقل، كانت الحركة تدب في كل أرجاء الميناء. فيبدأ الحمالة عملهم في تفريغ الشحنات، وتنشط شاحنات النقل التي تتوافد لنقل البضائع إلى الأسواق والمحال التجارية داخل المدينة، بينما يستعد التجار لاستقبال السلع التي طال انتظارها. وهكذا كانت السفينة تحرك عجلة الاقتصاد، وتوفر مصدر رزق لمئات العمال والسائقين والتجار.

 

وفي العاشر من سبتمبر سنة 1986، تعرضت السفينة لهجوم مسلح أثناء عودتها من موريتانيا، أسفر عن مقتل أحد أفراد طاقمها وإصابة آخرين، في حادثة بقيت من أبرز المحطات في تاريخها، قبل أن تواصل الخدمة لعدة سنوات أخرى.

 

وفي سنة 1993 بيعت السفينة وأعيدت تسميتها إلى “كاب بلان” (Cap Blanc)، وهو اسم مستوحى من رأس نواذيبو، قبل أن تخرج نهائيًا من الخدمة، وتنتهي رحلتها بالتفكيك سنة 2005.

 

واليوم، وبعد مرور عقود، ما زال اسم “بوينتي كناريو” حاضرًا في ذاكرة أبناء أنواذيبو، باعتبارها واحدة من السفن التي ارتبطت بحياة المدينة اليومية، وأسهمت في تموينها وتنشيط تجارتها، حتى أصبحت جزءًا من تاريخها البحري وذاكرتها الجماعية، ورمزًا لمرحلة جميلة لا تزال راسخة في وجدان كل من عاش تلك الأيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى