تحت ظلال المدرسة الجمهورية / عثمان جدو

لم يعد الحديث عن التعليم في بلادنا مجرد نقاش حول المناهج التربوية والبرامج التعليمية والامتحانات الوطنية، بل أصبح نقاشاً حول مستقبل الدولة والمجتمع، وطبيعة الإنسان الذي نريد بناءه، ومكانة الأجيال القادمة في عالم تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، جاءت المدرسة الجمهورية بوصفها أحد أبرز المشاريع الإصلاحية التي قدمها فخامة رئيس الجمهورية في حملته الانتخابية، وراهنت عليها الحكومة فيما بعد بهدف توحيد مسار المدرسة العمومية، وترسيخ قيم المواطنة والمساواة، وإتاحة فرص التعليم أمام أبناء الموريتانيين جميعا على اختلاف أوضاعهم الاجتماعية ومناطقهم الجغرافية.
لكن السؤال او الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن نطرحها اليوم هي: إلى أي حد استطاعت المدرسة الجمهورية أن تتحول من شعار إصلاحي طموح إلى واقع تربوي ملموس؟ وما الذي تحقق في مسار إصلاح المنظومة التربوية؟ وما العقبات التي لا تزال تحول دون بلوغ الأهداف المنشودة؟
أولاً: المدرسة الجمهورية وفلسفة الإصلاح التربوي
تقوم فلسفة المدرسة الجمهورية على مبدأ أساسي، هو أن المدرسة فضاء مشترك يجمع أبناء الوطن، بعيداً عن الفوارق الطبقية والاجتماعية، ويمنحهم فرصاً متكافئة في التعلم والتكوين والانتقال من حال إلى حال احسن منه.
وهي بذلك لا تستهدف إصلاح التعليم من الناحية الفنية وحدها، بل تسعى إلى معالجة بعض الاختلالات التاريخية التي كرست التفاوت بين أبناء المجتمع، من خلال بناء مدرسة عمومية قوية، قادرة على استيعاب الجميع، وصناعة مواطن يؤمن بالوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في شتى المجالات.
ومن هنا تبرز أهمية هذا المشروع في السياق الوطني، حيث ظلت الازدواجية بين التعليم العمومي والخصوصي، والتفاوت بين مدارس المدن والأرياف، وضعف البنية التحتية، من أبرز التحديات التي واجهت تحقيق العدالة التعليمية.
ثانياً: واقع المنظومة التربوية بين المكتسبات والاختلالات
يمكن استجلاء واقع التعليم في بلادنا من خلال محورين متكاملين:
1. المكتسبات ومؤشرات التحول
شهد قطاع التهذيب خلال السنوات الأخيرة اهتماماً سياسياً ومؤسسياً متزايداً، تجسد في الدفع بمشروع المدرسة الجمهورية، وتوسيع البنية المدرسية، والاهتمام بالتكوين والتحفيز، والعمل على تحسين ظروف المدرسين، فضلاً عن مراجعة المناهج والبرامج التعليمية.
كما أن توحيد الولوج إلى التعليم العمومي، والتوسع في استقبال الأطفال في المدارس الجمهورية، يمثلان خطوة مهمة نحو تقليص الفوارق الاجتماعية داخل الفضاء المدرسي.
ولا يمكن إغفال أهمية الإجراءات المتعلقة بتحسين وضعية المدرس، وتطوير المؤسسات التكوينية، وتعزيز الحضور المؤسسي للقطاع، باعتبار أن نجاح أي إصلاح تربوي يظل مرتبطاً بمدى الاستثمار في العنصر البشري.
2. الاختلالات والتحديات القائمة
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال المنظومة التربوية تواجه تحديات عميقة، من أبرزها:
– ضعف البنية التحتية المدرسية في بعض المناطق، ونقص الفصول والتجهيزات؛ رغم ماتم بناؤه لحد الساعة من فصول يحسب بالآلاف.
– التفاوت في جودة التعليم بين العاصمة والولايات الداخلية، وبين الحضر والأرياف.
– استمرار النقص في بعض التخصصات من المدرسين المؤهلين، بالرغم من الاكتتابات المتزايدة في الآونة الأخيرة.
– الحاجة إلى تحسين التكوين الأولي والمستمر للمدرسين واعتماد نهج اكثر فاعلية خاصة في ما يخص التكوين المستمر.
– ضعف الوسائل التعليمية؛ خاصة وسائل الإيضاح، وقلة المخابر وعدم جاهزية وانتشار المكتبات وكذا نقص الموارد الرقمية.
– تحديات الاكتظاظ؛ إذ مازالت بعض المدارس في المدن الكبيرة تعتمد التفويج وفترات التناوب، ثم إن التسرب المدرسي يفرض هو الآخر تحديات كبيرة جدا تحد من جودة التعليم بشكل شمولي، كما ان ضعف التحصيل لدى بعض التلاميذ يعطي انطباعا سلبيا يحد من قيمة التقييم الإيجابي.
– استمرار التفاوت بين التعليم العمومي والخصوصي في الإمكانات والجودة؛ رغم احتواء الدولة للتعليم الخصوصي قي مرحلته الابتدائية.
وهنا ينبغي التأكيد أن بناء المدرسة الجمهورية لا يتحقق بمجرد جمع التلاميذ في مؤسسات عمومية فقط وإن كان ذلك قي غاية الأهمية التي تؤسس للايجابية، وإنما يتطلب الأمر توفير تعليم جيد ومتوازن بكامل شروطه ومستلزماته؛ بحيث يضمن لكل طفل فرصة حقيقية للنجاح.
ثالثاً: المدرس.. حجر الزاوية في نجاح المدرسة الجمهورية
إذا كانت المدرسة هي عنوان الإصلاح، فإن المدرس هو صانع التحول الحقيقي. فلا يمكن الحديث عن مدرسة جمهورية ناجحة دون مدرس مؤهل، ومتمكن من أدواته، ومحفز مادياً ومعنوياً، ويتمتع بمكانة اجتماعية ومهنية تليق برسالته.
ومن هذا المنطلق، فإن تحسين ظروف المدرسين، وتطوير مساراتهم المهنية، وتعزيز التكوين المستمر، وتوفير السكن اللائق لهم، ليست مطالب فئوية فحسب، بل استثمارات مباشرة في مستقبل التعليم.
كما أن إصلاح وضعية المدرس ينبغي ألا يقتصر على زيادة الرواتب والعلاوات، على أهميتها، بل يجب أن يشمل تطوير الأداء، وترسيخ ثقافة المسؤولية، وربط التحفيز بالكفاءة والانضباط وجودة المخرجات.
والحقيقة أن أي إصلاح لا يضع المدرس في قلب اهتماماته سيظل إصلاحاً ناقصاً، مهما كانت جودة نصوصه القانونية أو طموحات برامجه.
رابعاً: الكتاب المدرسي والمناهج.. من التلقين إلى صناعة المعرفة
لا يمكن بناء منظومة تربوية حديثة دون كتاب مدرسي جيد، ومناهج تستجيب للتحولات المعرفية والعلمية، وتساعد التلميذ على التفكير والتحليل والإبداع بدلاً من الاقتصار على الحفظ والاستظهار.
فالكتاب المدرسي ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، وإنما هو أداة لتشكيل الوعي، وترسيخ الهوية الوطنية، وتنمية المهارات والقيم.
ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة المحتويات التعليمية بصورة دورية، وتطوير أساليب التدريس والتقييم، وإدماج التكنولوجيا والمهارات الرقمية، وتعزيز تدريس العلوم والرياضيات واللغات، وربط التعليم بمتطلبات التنمية وسوق العمل.
كما ينبغي أن تكون المناهج معبرة عن الخصوصية الثقافية والحضارية لبلادنا اكثر فأكثر، وتكون منفتحة في الوقت ذاته على المعرفة الإنسانية والتطور العلمي العالمي الذي يتجدد يوميا.
خامساً: التحدي الحقيقي.. هل ننتقل من إصلاح المدرسة إلى إصلاح مخرجاتها؟
هذا هو السؤال الأكثر أهمية في تقييم المنظومة التربوية.
فقد تتوسع الدولة في بناء المدارس، وتزيد من أعداد التلاميذ المسجلين، وتطور التشريعات والبرامج، لكن المعيار النهائي للنجاح يظل مرتبطاً بما يتعلمه التلميذ فعلياً، وبما يكتسبه من معارف ومهارات وقدرات.
فيجيب حاله مثلا على الاسىئلة التالية: هل يستطيع خريج المدرسة الموريتانية القراءة والفهم والتحليل بصورة سليمة؟ هل يمتلك المهارات الأساسية في الرياضيات والعلوم؟ هل يستطيع استخدام التكنولوجيا؟ وهل يمتلك الكفاءة التي تؤهله للاندماج في الجامعة وسوق العمل؟
إن الانتقال من قياس نجاح التعليم بمؤشرات الالتحاق والانتقال بين المستويات إلى قياسه بمستوى التحصيل والكفاءة أصبح ضرورة ملحة.
كما أن معالجة ظاهرة التسرب المدرسي، وتحسين نتائج الامتحانات الوطنية، وتطوير التعليم الفني والمهني، وتوجيه التلاميذ نحو التخصصات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، تمثل حلقات أساسية في هذا المسار.
سادساً: آفاق المنظومة التربوية.. ما الذي ينبغي فعله؟
إن استشراف مستقبل التعليم في بلادنا يقتضي الانتقال من مرحلة إطلاق الإصلاحات إلى مرحلة ترسيخها وتقييم نتائجها.
ويمكن تحديد أبرز الأولويات في النقاط التالية:
– تعزيز المدرسة الجمهورية: بتوفير الإمكانات البشرية والمادية التي تجعلها مدرسة جودة وإنصاف، لا مجرد مدرسة استيعاب فقط.
– الاستثمار في المدرس: من خلال التكوين المستمر، وتحسين الظروف المهنية والاجتماعية، وتطوير آليات الترقية والتحفيز.
– تطوير البنية التحتية: ببناء المدارس وتجهيزها، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية، وتوفير المياه والكهرباء والمرافق الصحية.
– إصلاح المناهج والكتاب المدرسي: بما يضمن جودة المحتوى، وتحديث المعارف، وتنمية التفكير النقدي والابتكار.
– التحول الرقمي: عبر توفير الوسائل التقنية والموارد التعليمية الرقمية، وتأهيل المدرسين والتلاميذ لاستخدامها فهي الضرورة المستجدة التي باتت تفرض نفسها بقوة.
– تعزيز التعليم الفني والمهني: وربطه بحاجات الاقتصاد الوطني وفرص التشغيل، حتى لا تظل المدرسة مجرد محطة للحصول على الشهادات دون الولوج إلى ساحة العمل والإنتاج.
– تفعيل الرقابة والتقييم: من خلال مؤشرات واضحة لقياس جودة التعليم، وتحديد مكامن الخلل، ومحاسبة المسؤولين عن تنفيذ الإصلاح؛ فيكرم المستحق ويهان المقصر.
– تعزيز الشراكة المجتمعية: بإشراك الأسر والمنتخبين والمجتمع المدني والقطاع الخاص في حماية المدرسة وتحسين أدائها فجهود الجميع مطلوبة ومفيدة.
سابعاً: مسؤولية المجتمع والدولة في إنجاح المشروع
إن المدرسة الجمهورية ليست مسؤولية وزارة التهذيب الوطني وحدها، ولا يمكن أن تنجح بقرارات إدارية مركزية فقط مهما كانت أهميتها.
فالدولة مطالبة بتوفير التمويل والتخطيط والرقابة، والأسرة مطالبة بمتابعة الأبناء وترسيخ ثقافة التعلم والانضباط، والمدرسة مطالبة بأداء رسالتها التربوية النبيلة، والإعلام مطالب بمواكبة الإصلاح ونقد الاختلالات نقدا بناء، والمجتمع المدني مطالب بالمساهمة في نشر الوعي بأهمية التعليم.
كما أن محاربة التسرب المدرسي، والحد من الغياب، ومواجهة ضعف التحصيل، وترسيخ احترام المدرس والمؤسسة التعليمية، مسؤوليات مشتركة تتجاوز حدود الإدارة التربوية.
ومن الضروري كذلك أن يحظى قطاع التعليم باستقرار السياسات العامة، وألا تتحول الإصلاحات إلى برامج مرتبطة بتغير الوزراء أو المسؤولين، بل إلى مشروع وطني مستمر تتوارثه الحكومات والأجيال.
فالمدرسة الجمهورية رهان أمة وليست مجرد مشروع حكومة
إن استجلاء واقع المنظومة التربوية الوطنية تحت ظلال المدرسة الجمهورية يكشف أننا أمام مشروع يحمل طموحاً وطنياً كبيراً، لكنه يواجه في الوقت ذاته تحديات تتطلب نفساً إصلاحياً طويلاً وإرادة سياسية مستمرة.
لقد أصبح من الضروري أن ننتقل من مرحلة الاحتفاء بالشعارات والإعلان عن الإصلاحات إلى مرحلة قياس النتائج على أرض الواقع، ومن التركيز على عدد المدارس والفصول إلى الاهتمام بمستوى التلميذ وجودة تكوينه، ومن اعتبار التعليم قطاعاً خدمياً إلى التعامل معه باعتباره استثماراً استراتيجياً في الإنسان.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن يستوعبها صانع القرار والمجتمع معاً هي أن المدرسة الجمهورية لن تحقق أهدافها بمجرد توحيد الفضاء المدرسي، وإنما حين يشعر ابن الفقير وابن الغني بأنهما يتلقيان تعليماً متكافئاً في الجودة والفرص، وحين يصبح التفوق ثمرة للكفاءة والاجتهاد، لا امتيازاً تصنعه الظروف الاجتماعية.
إن مستقبل موريتانيا لن تصنعه الثروات الطبيعية وحدها، ولا الاتفاقيات الاقتصادية، ولا المشاريع العمرانية، وإنما تصنعه قبل كل شيء مدرسة قادرة على بناء الإنسان. فالمدرسة الجمهورية ليست مجرد ورش تربوي، بل هي مشروع لبناء المواطنة، وتحقيق العدالة الاجتماعية المنصفة، وتأسيس فعلي لموريتانيا التي نريد جميعا.
بقلم : عثمان جدو



